ويردّه : ـ مضافا إلى الجوابين الأخيرين السابقين ، وثاني الجوابين اللاحقين ـ أن يكفي في خروج إيجاب المقدّمات عن اللغويّة محبوبيّة التحذّر وحسنه ، فيحتاج تماميّة الاستدلال إلى ضمّ المقدّمة السابقة.
ثمّ إن سلّمنا تماميّة دلالة الآية على وجوب التحذّر بشيء من التقريبات المتقدّمة فهي أجنبيّة عن حجّيّة خبر العدل.
توضيحه : أنّ لنا عناوين ثلاثا : عنوان الخبر ، وعنوان الفتوى ، وعنوان الموعظة والإنذار والتخويف. والأوّل يتحقّق بنقل ألفاظ المعصوم إن علم الراوي مداليلها أو لم يعلم. والثاني عبارة عن بيان الاعتقاد بالنسبة إلى الحكم الشرعي ، فيعتبر فيه العلم والفقه. والثالث شأن الواعظ في موضوع كان الحكم معلوما للطرف المقابل.
وحيث إنّ الآية اشتملت على كلمة التفقّه دلّت على أنّ المراد منها الفتوى دون الرواية غير المعتبر فيها الفقه والمعرفة ، وحيث اشتملت على لفظ الإنذار دلّت على أنّ الآية واردة في الحثّ على الوعظ والتخويف ، ولمّا لم يكن بين الأمرين تهافت حكمنا أنّ الآية تحثّ على الفتوى مشتملا على التخويف أو أنّ التخويف مطوي في بطن الفتوى بالوجوب والتحريم ، ولا يحتاج إلى تخويف آخر غير الإفتاء بالوجوب والتحريم. وعلى كلّ حال الآية تكون أجنبيّة عن المقام من جعل الخبر حجّة.
وقد أعزب من أجاب عن هذا الإشكال بأنّ الآية تكون حجّة في راو قارن روايته بالتخويف ، ثمّ يضمّ إليه غيره بعدم القول بالفصل. وكان هذا الشخص غفل عمّا هو روح الإشكال ؛ فتخيّل أنّ الإشكال بمجرّد الاقتران بالتخويف وعدمه.
وقد عرفت أنّ الآية تدلّ على حجّيّة الفتوى ، ولا عدم قول بالفصل بينه وبين الرواية.
الثالثة : ممّا استدلّ به من الآيات ، آية الكتمان. قال الله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ)(١).
تقريب الاستدلال بها : أنّ اللعن في الآية يدلّ على حرمة الكتمان ووجوب الإظهار ، وذلك يقتضي وجوب القبول ، وإلّا لغي إيجاب الإظهار ، أو على الأقلّ من أن يقتضي
__________________
(١) البقرة (٢) : ١٥٩.
![الأصول في علم الأصول [ ج ٢ ] الأصول في علم الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4115_alusul-fi-ilm-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
