** (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ) : هذا القول الكريم هو بداية الآية الكريمة الثامنة والثلاثين وفي هذا القول معنى التعجب من شدّة سمعهم وإبصارهم.. والعجب : هو انفعال نفسانيّ يعتري الإنسان عند استعظامه أو استطرافه أو إنكاره ما يرد عليه. والتعجب : هو انفعال النفس عمّا خفي سببه : أي أن ترى الشيء يعجبك تظنّ أنك لم تر مثله.. ويستعمل التعجب على وجهين : أحدهما : ما يحمده الفاعل ومعناه الاستحسان والإخبار عن رضاه به. والثاني : ما يكرهه.. ومعناه : الإنكار والذمّ له.. ففي الاستحسان يقال : أعجبني.. وفي الذم والإنكار يقال : عجبت.
** (إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا) : هذا القول الكريم هو آخر الآية الكريمة الحادية والأربعين : بمعنى : كان ملازما للصدق كثير التصديق.. وهو من أبنية المبالغة. والمراد : فرط صدقه وكثرة ما صدّق به من آيات الله وكتبه ورسله وغيوب الله. والغلبة في هذا التصديق للكتب والرسل ـ كما يقول الزمخشري ـ أي كان مصدقا بجميع الأنبياء. ونظير «الصدّيق» : الضحّيك والنطّيق.
** (إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ) : ورد هذا القول الكريم في الآية الكريمة الثانية والأربعين وفيه حذف مفعول «يسمع» اختصارا أي ما لا يسمع دعاءك ولا يبصر عبادتك فحذف مفعول «يبصر» أيضا. أي واذكر يا محمد في القرآن حين قال إبراهيم لأبيه آزر : لما ذا تعبد الأصنام التي لا تسمع دعاءك ولا تبصر عبادتك؟ وتطلق على من لا يبصر لفظة «كفيف» وجمعه أكفّاء ـ بتشديد الفاء والصيغة ـ فعيل بمعنى مفعول ـ وهو من كفّ بصره : أي عمي فهو مكفوف.. وهو أيضا «الضرير» بمعنى : ذهب بصره سمّي «ضريرا» لأن به ضررا من ذهاب عين أو ضنى : أي مرض. ومصدر الفعل «كفّ» هو «كفّا» و «الكفّ» من الإنسان وغيره : لفظة مؤنثة. قال ابن الأنباريّ : وزعم من لا يوثق به أنّ «الكفّ» مذكر ولا يعرف تذكيرها من يوثق بعلمه.. قال الأزهريّ : الكفّ : هو الراحة مع الأصابع.. سمّيت كفّا لأنها تكفّ الأذى عن البدن.
** (قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي) : هذا القول الكريم ورد في الآية الكريمة السادسة والأربعين ـ المعنى : أكاره أو أمعرض عن آلهتي.. و «راغب» اسم فاعل للفعل «رغب» يقال : رغب في الشيء : بمعنى أراده وهو من باب «طرب» ويتعدى بنفسه أيضا إلى المفعول فيقال : رغبه.. ورغب عنه : بمعنى رفضه وكرهه.. فالمعنى يتبين من صلته أي من حرفي الجرّ «في» و «عن».
** (قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ) : هذا القول الكريم هو مستهل الآية الكريمة أي قال إبراهيم مودعا أباه : سلام عليكم أي قال متلطفا : سلام عليك مني.. سلام توديع ومتاركة لن أتعرض لك بسوء وقد جاء ذلك في الآية الكريمة السابعة والأربعين.. وجاءت كلمة «سلام» نكرة على الابتداء والقاعدة تمنع الابتداء بالنكرة إلّا إذا أفادت هذه النكرة معنى الدعاء و «سلام» هنا فيها معنى الدعاء. أو على معنى : عليك سلام بتأخير المبتدأ ويجوز الابتداء بالنكرة أيضا إذا كان موصوفا.. أمّا مجيؤه في جملة واحدة نكرة ثم معرفة فهذا هو ما درجت عليه العرب في رسائلها وكتبها إذ يكتبون في بداية الكتاب : سلام عليكم وفي آخره : والسّلام عليكم.. وتعليل ذلك أنّ الشيء إذا بدئ به كان نكرة وعند إعادته يصير معرفة كقولنا : جاءنا رجل فكان من فعل الرجل كذا.. ويؤيد هذا الكلام قوله تعالى على لسان عيسى ـ عليهالسلام ـ في الآية الكريمة الثالثة والثلاثين : «والسّلام عليّ..» أدخل لام التعريف على «السّلام» لتعرفه بالذكر قبله في الآية الكريمة الخامسة عشرة : و «سلام عليه..» المعنى : ذلك السّلام الموجّه إلى يحيى في المواطن الثلاثة موجّه إليّ.. و «السّلام» من صفات الله عزوجل وصف به سبحانه مبالغة في
![إعراب القرآن الكريم لغةً وإعجازاً وبلاغة تفسيراً بالإيجاز [ ج ٦ ] إعراب القرآن الكريم لغةً وإعجازاً وبلاغة تفسيراً بالإيجاز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4040_irab-alquran-alkarim-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
