(فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ) : أي بما أنزله إليك في القرآن ، لاشتماله على جميع ما شرعه الله لعباده في جميع الكتب السابقة عليه.
(وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ) : أي أهواء أهل الملل السابقة.
(عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِ) متعلق بلا تتبع ، على تضمينه معنى لا تعدل أو لا تنحرف عما جاءك من الحق متبعا لأهوائهم. وقيل : متعلق بمحذوف ، أي لا تتبع أهواءهم عادلا أو منحرفا عن الحق.
وفي النهي له صلىاللهعليهوآلهوسلم عن أن يتبع أهواء أهل الكتاب ، ويعدل عن الحق الذي أنزله الله عليه ؛ فإن كل ملة من الملل تهوى أن يكون الأمر على ما هم عليه ، وأدركوا عليه سلفهم ، وإن كان باطلا منسوخا أو محرفا عن الحكم الذي أنزله الله على الأنبياء ، كما وقع في الرجم (١) ونحوه مما حرفوه من كتب الله.
[الآية الخامسة عشرة]
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)).
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ) : الطيبات : هي المستلذات مما أحله الله لعباده ، نهى الله الذين آمنوا عن أن يحرموا على أنفسهم شيئا منها ، إما لظنهم أن في ذلك طاعة لله ، وتقربا إليه ، وأنه من الزهد في الدنيا ، وقمع النفس عن شهواتها ، أو لقصد أن يحرموا على أنفسهم شيئا مما أحله لهم ، كما يقع من كثير من العوام من قولهم : حرام عليّ ، وحرمته على نفسي ، ونحو ذلك من الألفاظ التي تدخل تحت هذا النهي القرآني.
قال ابن جرير الطبري : لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء مما أحل الله لعباده المؤمنين على نفسه من طيبات المطاعم والملابس والمناكح. ولذلك رد النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم التبتل على عثمان بن مظعون (٢) ، فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحله لعباده ، وأن
__________________
(١) حديث تحريف اليهود لآية رجم الزاني والزّانية رواه البخاري (٦ / ٦٣١) ، (١٢ / ١٦٦) ، ومسلم (١١ / ٢٠٨ ، ٢٠٩) عن عبد الله بن عمر مرفوعا.
(٢) حديث صحيح : رواه البخاري (٩ / ١١٧) ، ومسلم (٩ / ١٧٦ ، ١٧٧).
