جميعا لكثرة الأنبياء منهم ، وقيل : عام دخله التخصص ثم بين آثار الاختيار بقوله تعالى : (وَآتَيْناهُمْ) أي : على ما لنا من العظمة (مِنَ الْآياتِ) أي : العلامات الدالة على عظمتنا واختيارنا لهم من حين أتى موسى عبدنا عليهالسلام فرعون إلى أن فارقهم بالوفاة وبعد وفاته على أيدي الأنبياء المقررين للشريعة عليهمالسلام (ما فِيهِ بَلؤُا) أي : اختبار مثله يميل من ينظره أو يسمعه إلى غير ما كان عليه ، وذلك بفرق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك مما رأوه من الآيات التسع (مُبِينٌ) أي : بين في نفسه موضح لغيره.
(إِنَّ هؤُلاءِ) إشارة إلى كفار قريش لأن الكلام فيهم وقصة فرعون وقومه مسوقة للدلالة على أنهم مثلهم في الإصرار على الضلالة والإنذار على مثل ما حل بهم (لَيَقُولُونَ) أي : بعد قيام الحجة البالغة عليهم مبالغين في الإنكار.
(إِنْ) أي : ما (هِيَ) وقولهم (إِلَّا مَوْتَتُنَا) على حذف مضاف أي : ما الحياة إلا حياة موتتنا (الْأُولى) التي كانت قبل نفخ الروح كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الجاثية (إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا) [الأنعام : ٢٩] وقال الجلال المحلي : إن هي ما الموتة التي بعدها الحياة إلا موتتنا الأولى أي : وهم نطف ، وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة وأبو عمرو بين بين ، وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح (وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ) أي : بمبعوثين بحيث نصير ذوي حركة اختيارية ننتشر بها بعد الموت ، يقال : نشره وأنشره أحياه.
ثم احتجوا على نفي الحشر والنشر بقولهم : (فَأْتُوا) أي : أيها الزاعمون أنا نبعث بعد الموت (بِآبائِنا) أي : لكوننا نعرفهم ونعرف وفور عقولهم (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) أي : ثابتا صدقكم في أنا نبعث يوم القيامة أحياء بعد الموت.
ثم خوفهم الله تعالى بمثل عذاب الأمم الخالية فقال تعالى : (أَهُمْ خَيْرٌ) أي : في الدين والدنيا (أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ) أي : ليسوا خيرا منهم فهو استفهام على سبيل الإنكار ، قال أبو عبيدة : ملوك اليمن كل واحد منهم يسمى تبعا لأن أهل الدنيا كانوا يتبعونه ، وموضع تبع في الجاهلية موضع الخليفة في الإسلام وهم الأعاظم في ملوك الحرب ، وقال قتادة : هو تبع الحميري وكان من ملوك اليمن سمي بذلك : لكثرة أتباعه وكان هذا يعبد النار فأسلم ودعا قومه وهم حمير إلى الإسلام فكذبوه ، ولذلك ذم الله تعالى قومه ولم يذمه ، وعن النبي صلىاللهعليهوسلم : «لا تسبوا تبعا فإنه قد أسلم» (١). وعنه صلىاللهعليهوسلم : «ما أدري أكان تبع نبيا أو غير نبي» (٢). وعن عائشة رضي الله عنها قالت : «لا تسبوا تبعا فإنه كان رجلا صالحا» (٣). وذكر عكرمة عن ابن عباس : أنه كان تبع الآخر وهو أبو كرب أسعد بن مليك وكان سار بالجيوش نحو المشرق وحبر الحبر وبنى قصر سمرقند ، وملك بقومه الأرض طولها والعرض وكان أقرب المملكين إلى قريش زمانا ومكانا ، وكان له بمكة المشرفة ما ليس لغيره من
__________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ٥ / ٣٤٠ ، والسيوطي في الدر المنثور ٦ / ٣١ ، والمتقي الهندي في كنز العمال ٣٤٠٨٥ ، وابن حجر في فتح الباري ٨ / ٥٧١ ، والطبراني في المعجم الكبير ١١ / ٢٩٦ ، والهيثمي في مجمع الزوائد ٨ / ٧٦.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢ / ١٤ ، ٤٥٠ ، والبخاري في التاريخ الكبير ١ / ١٥٣.
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٤٠٨٩.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
