|
أيا شجر الخابور ما لك مورقا |
|
كأنك لم تجزع على ابن طريف |
وقال جرير (١) :
|
لما أتى خبر الزبير تواضعت |
|
سور المدينة والجبال الخشع |
وذلك على سبيل التخييل والتمثيل مبالغة في وجوب الجزع والبكاء ، عليه قال الزمخشري : وكذلك ما يروى عن ابن عباس من بكاء مصلى المؤمن وآثاره في الأرض ومصاعد عمله ومهابط رزقه في السماء تمثيل ، ونفى ذلك عنهم في قوله تعالى : (فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ) تهكما بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده فيقال فيه : بكت عليه السماء والأرض.
وروى أنس بن مالك عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «ما من مسلم إلا وله في السماء بابان باب يخرج منه رزقه وباب يدخل منه عمله فإذا مات وفقداه بكيا عليه وتلا هذه الآية» (٢). وقال علي رضي الله عنه : إن المؤمن إذا مات بكى عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء. وعن الحسن : فما بكى عليهم الملائكة والمؤمنون بل كانوا بهلاكهم مسرورين يعني فما بكى عليهم أهل السماء وأهل الأرض. وقال عطاء : بكاء السماء حمرة أطرافها ، وقال السدي : لما قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما : بكت عليه السماء وبكاؤها حمرتها ، وقرأ أبو عمرو عليهم في الوصل بكسر الهاء والميم ، وحمزة والكسائي بضمهما ، والباقون : بكسر الهاء وضم الميم وأما الوقف فحمزة بضم الهاء والباقون بالكسر (وَما كانُوا مُنْظَرِينَ) أي : لما جاء وقت هلاكهم لم يمهلوا إلى وقت آخر لتوبة وتدارك تقصير.
ولما كان إنقاذ بني إسرائيل من القبط أمرا باهرا لا يكاد يصدق فضلا عن أن يكون بإهلاك أعدائهم ، أكد سبحانه الأخبار بذلك إشارة إلى ما يحق له من العظمة تنبيها على أنه قادر أن يفعل بهذا النبي صلىاللهعليهوسلم وأتباعه كذلك وإن كانت قريش يرون ذلك محالا وأنهم في قبضتهم فقال تعالى : (وَلَقَدْ نَجَّيْنا) أي : بما لنا من العظمة تنجية عظيمة (بَنِي إِسْرائِيلَ) بعبدنا المخلص لنا (مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ) أي : من استعباد فرعون وقتله أبناءهم وقوله تعالى : (مِنْ فِرْعَوْنَ) بدل من العذاب على حذف المضاف ، أو جعله عذابا لإفراطه في التعذيب ، أو حال من المهين أي : واقعا من جهته (إِنَّهُ كانَ عالِياً) أي : في جبلته العراقة في العلو (مِنَ الْمُسْرِفِينَ) أي : العريقين في مجاوزة الحدود.
(وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ) أي : بني إسرائيل بما لنا من العظمة (عَلى عِلْمٍ) أي : عالمين بأنهم أحقاء بأن يختاروا ويجوز أن يكون المعنى مع علم منا بأنهم يزيغون ويفرط منهم الفرطات في بعض الأحوال. ثم بين المفضل عليه بعد أن بين المفضل بقوله تعالى : (عَلَى الْعالَمِينَ) أي : الموجودين في زمانهم بما أنزلنا عليهم من الكتب وأرسلنا إليهم من الرسل ، وقيل : على الناس
__________________
(١) البيت من الكامل ، وهو لجرير في ديوانه ص ٩١٣ ، والأشباه والنظائر ٢ / ١٠٥ ، ٢٢٠ ، وجمهرة اللغة ص ٧٢٣ ، وخزانة الأدب ٤ / ٢١٨ ، وشرح أبيات سيبويه ١ / ٥٧ ، ولسان العرب (حرث) ، (سور) ، (أفق) ، ولجرير أو للفرزدق في سمط اللآلي ص ٣٧٩ ، وليس في ديوان الفرزدق ، وبلا نسبة في الخصائص ٢ / ٤١٨ ، والصاحبي في فقه اللغة ص ٢٦٧.
(٢) أخرجه الترمذي في تفسير القرآن حديث ٣٢٥٥.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
