عنهم القحط (قَلِيلاً) أي : زمنا يسيرا ، قيل : إلى يوم بدر ، وقيل : ما بقي من أعمارهم (إِنَّكُمْ عائِدُونَ) أي : ثابت عودكم عقب كشفنا عنكم إلى الكفران لما في جبلاتكم من العوج وطبائعكم من المبادرة إلى الزلل ، فإيمانكم هذا الذي أخبرتم برسوخه عرض زائل وخيال باطل.
وقوله تعالى : (يَوْمَ نَبْطِشُ) أي : بما لنا من العظمة (الْبَطْشَةَ الْكُبْرى) أي : يوم بدر منصوب باذكر أو بدل من يوم تأتي ، والبطش : الأخذ بقوة (إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) أي : منهم في ذلك اليوم وهو قول ابن عباس وأكثر العلماء وفي رواية عن ابن عباس : أنه يوم القيامة.
(وَلَقَدْ فَتَنَّا) أي : اختبرنا بما لنا من العظمة فعل الفاتن وهو المختبر الذي يريد أن يعلم حقيقة الحال بالإبلاء والتمكين ثم الإرسال (قَبْلَهُمْ) أي : هؤلاء العرب ليكون ما مضى من خبرهم عبرة لهم (قَوْمَ فِرْعَوْنَ) أي : مع فرعون لأن ما كان فتنة لقومه كان فتنة له لأن الكبير أرسخ في الفتنة بما أحاط به من الدنيا وسيأتي التصريح به في آخر القصة (وَجاءَهُمْ) أي : فرعون وقومه زيادة في فتنتهم (رَسُولٌ كَرِيمٌ) هو موسى عليهالسلام قال الكلبي : كريم على ربه بمعنى أنه تعالى أعطاه أنواعا كثيرة من الإكرام ، وقال مقاتل : حسن الخلق ، وقال الفراء : يقال فلان كريم قومه ، قيل : ما بعث نبي إلا من أشراف قومه وأكرمهم.
ثم فسر ما بلغهم من الرسالة بقوله : (أَنْ أَدُّوا إِلَيَ) ما أدعوكم إليه من الإيمان أي : أظهروا طاعتكم بالإيمان لي يا (عِبادَ اللهِ) أو أطلقوا بني إسرائيل ولا تعذبوهم وأرسلوهم معي كقوله (فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ) [طه : ٤٧] (إِنِّي لَكُمْ) أي : خاصة بسبب ذلك (رَسُولٌ) أي : من عند الله الذي لا تكون الرسالة الكاملة إلا منه (أَمِينٌ) أي : بالغ الأمانة لأن الملك الديان لا يرسل إلا من كان كذلك.
وقوله عليهالسلام :
(وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ (٢٧) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ (٢٨) فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (٣٣) إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (٣٨) ما خَلَقْناهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٩))
(وَأَنْ لا تَعْلُوا) معطوف على أنّ الأولى وأن هذه مقطوعة في الرسم ، والمعنى لا تتكبروا (عَلَى اللهِ) تعالى بإهانة وحيه ورسوله (إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ) أي : برهان (مُبِينٍ) أي : بين على رسالتي فتوعدوه حين قال لهم ذلك بالرجم فقال : (وَإِنِّي عُذْتُ) أي : اعتصمت وامتنعت (بِرَبِّي) الذي رباني على ما اقتضاه لطفه وإحسانه إلي (وَرَبِّكُمْ) الذي أعاذني من تكبركم وقوة مكنتكم (أَنْ تَرْجُمُونِ) أي : أن يتجدد في وقت من الأوقات قتل منكم لي فإني قلت : إني أخاف أن يقتلون فقال
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
