ونقل عن علي بن أبي طالب : أنه دخان يظهر في العالم وهو إحدى علامات القيامة ، ويروى أيضا عن ابن عباس في المشهور عنه لما روي عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «أول الآيات الدخان ونزول عيسى ابن مريم ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر تبيت معهم إذا باتوا وتقيل معهم إذا قالوا قال حذيفة : يا رسول الله وما الدخان فتلا رسول الله صلىاللهعليهوسلم الآية وقال : يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة ، أما المؤمن فيصيبه كالزكمة وأما الكافر فهو كالسكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه النار» (١). وقال صلىاللهعليهوسلم : «باكروا بالأعمال ستا وذكر منها طلوع الشمس من مغربها والدخان والدابة» (٢) رواه الحسن.
واحتج الأولون بأنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون : (رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ) ثم عللوا بما علموا أنه الموجب للكشف فقالوا مؤكدين (إِنَّا مُؤْمِنُونَ) أي : عريقون في وصف الإيمان فإذا حمل على القحط الذي وقع بمكة استقام ، فإنه نقل أن الأمر لما اشتد على أهل مكة مشى إليه أبو سفيان فناشده الله والرحم وواعده إن دعا لهم وأزال عنهم تلك البلية أن يؤمنوا به ، فلما أزالها الله عنهم رجعوا إلى شركهم ، أما إذا حمل على أن المراد منه : ظهور علامة من علامات القيامة لم يصح ذلك لأن عند ظهور علامات القيامة لا يمكنهم أن يقولوا : (رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ) ولم يصح أيضا أن يقال : (إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ) قال البقاعي : ويصح أن يراد به طلوع الشمس من مغربها ، روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها» (٣) ثم قرأ الآية.
(أَنَّى) أي : كيف ومن أين (لَهُمُ الذِّكْرى) أي : هذا التذكر العظيم الذي وصفوا به أنفسهم ، وقرأ حمزة والكسائي أنى بالإمالة محضة ، وقرأ أبو عمرو بالإمالة بين بين ، وورش بالفتح وبين اللفظين ، والباقون بالفتح وأمال الذكرى محضة أبو عمرو وحمزة والكسائي ، وأمال ورش بين بين ، والباقون بالفتح وكذلك الكبرى (وَقَدْ) أي : والحال أنه قد (جاءَهُمْ) ما هو أعظم من ذلك وأدخل في وجوب الطاعة (رَسُولٌ مُبِينٌ) أي : ظاهر غاية الظهور ، وموضح غاية الإيضاح ، وهو محمد صلىاللهعليهوسلم ، وأظهر دال قد نافع وابن ذكوان وعاصم وأدغمها الباقون.
(ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ) أي : أطاعوا ما دعاهم إلى الإدبار عنه من دواعي الهوى ونوازع الشهوات والحظوظ (وَقالُوا) أي : زيادة على إساءتهم بالتولي (مُعَلَّمٌ) أي : علمه غيره القرآن من البشر ، قال بعضهم : علمه غلام أعجمي لبعض ثقيف ، وقال آخرون : إنه (مَجْنُونٌ) أي : يلقي الجن إليه هذه الكلمات حال ما يعرض له الغشي.
(إِنَّا) أي : على ما لنا من العظمة (كاشِفُوا الْعَذابِ) أي : بدعاء النبي صلىاللهعليهوسلم فإنه دعا فرفع
__________________
(١) أخرجه بنحوه مسلم في الفتن حديث ٢٩٤٧ ، وابن ماجه في الفتن حديث ٤٠٥٦.
(٢) أخرجه بنحوه البخاري في تفسير القرآن حديث ٤٦٣٥ ، ومسلم في الإيمان حديث ١٥٧ ، وأبو داود في الملاحم حديث ٤٣١٢ ، وابن ماجه في الفتن حديث ٤٠٦٨.
(٣) انظر الحاشية السابقة.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
