عنها بعبارته ، وقيل : عداس مولى حويطب بن عبد العزى ويسار مولى العلاء بن الحضرمي ، وأبو فكيهة الرومي كانوا بمكة من أهل الكتاب فزعم المشركون أن محمدا يأخذ منهم فردّ الله تعالى عليهم بقوله تعالى : (فَقَدْ جاؤُ) أي : قائلوا هذه المقالة (ظُلْماً) وهو جعل الكلام المعجز إفكا مختلقا متلقفا من اليهود ، وجعلوا العربي يتلقن من العجمي الرومي كلاما عربيا أعجز بفصاحته جميع فصحاء العرب (وَزُوراً) أي : بهتوه بنسبة ما هو بريء منه إليه ، وقرأ ابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار الدال ، والباقون بالإدغام.
تنبيه : جاء وأتى يستعملان في معنى فعل فيعديان تعديته ، وظلما مفعول به ، وقيل : إنه على إسقاط الخافض أي : جاؤوا بظلم.
الشبهة الثانية : قوله تعالى : (وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) أي : ما سطره الأولون من أكاذيبهم جمع أسطورة بالضم كأحدوثة ، أو أسطار (اكْتَتَبَها) أي : تطلب كتابتها له من ذلك القوم وأخذها ، والمعنى أن هذا القرآن ليس من الله تعالى إنما هو مما سطره الأولون الأول كأحاديث رستم واسفنديار استنسخها محمد من أهل الكتاب (فَهِيَ) أي : فتسبب عن تكلفه ذلك أنها (تُمْلى عَلَيْهِ) أي : تقرأ عليه ليحفظها (بُكْرَةً) قبل أن تنتشر الناس (وَأَصِيلاً) أي : عشيا حين يأوون إلى مساكنهم ، أو دائما ليتكلف حفظها بالانتساخ ؛ لأنه أمي لا يقدر أن يكرر من الكتاب ، أو ليكتب وهذا كما ترى لا يقوله من له مسكة في عقل ، أو مروءة كيف وهو يدعوهم إلى المعارضة ولو بسورة من مثله وفيهم الكتّاب والشعراء والبلغاء والخطباء ، وهم أكثر منه مالا وأعظم أعوانا ولا يقدرون على شيء منه ، فإن قيل : كيف؟ قيل : اكتتبها فهي تملى عليه ، وإنما يقال : أمليت عليه فهو يكتبها؟ أجيب : بوجهين : أحدهما : أراد اكتتابها وطلبه ، فهي تملى عليه ، الثاني : أنها كتبت له وهو أمي فهي تملى أي : تلقى عليه من كتاب ليحفظها ؛ لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب ، وقرأ (فَهِيَ) قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء ، والباقون بكسرها.
ثم أمره الله تعالى بجوابهم بقوله تعالى : (قُلْ) أي : دالا على بطلان ما قالوه ومهددا لهم (أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ) أي : الغيب (فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) ؛ لأنه أعجزكم عن آخركم بفصاحته وتضمنه أخبارا عن مغيبات مستقبلة وأشياء مكنونة لا يعلمها إلا عالم الأسرار ، فكيف تجعلونه أساطير الأولين مع علمكم أن ما تقولونه باطل وزور؟ وكذلك باطن رسول الله صلىاللهعليهوسلم وبراءته مما يبهتونه ، وهو يجازيكم على ما علم منكم وعلم منه.
فإن قيل : كيف يطابق هذا قوله تعالى : (إِنَّهُ كانَ) أي : أزلا وأبدا (غَفُوراً رَحِيماً)؟ أجيب : بأنه لما كان ما يقدمه في معنى الوعيد عقبه بما يدل على القدرة عليه ؛ لأنه لا يوصف بالرحمة والمغفرة إلا القادر على العقوبة ، أو هو تنبيه على أنهم استوجبوا بمكابرتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صبا ، ولكن صرف ذلك عنهم ؛ لأنه غفور رحيم يمهل ولا يعاجل.
الشبهة الثالثة : قوله تعالى : (وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ) أي : ما لهذا الذي يزعم الرسالة ، وفيه استهانة وتهكم وتصغير لشأنه ، وتسميته بالرسول سخرية منه كأنهم قالوا : ما لهذا الزاعم أنه رسول ، ونحوه قول فرعون : (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) [الشعراء ، ٢٧] ، أي : إن صح أنه رسول الله فما باله حاله مثل حالنا (يَأْكُلُ الطَّعامَ) أي : كما نأكله (وَيَمْشِي) أي : ويتردد (فِي الْأَسْواقِ) لطلب المعاش كما نمشي ، فلا يجوز أن يمتاز عنا بالنبوة يعنون : أنه يجب أن يكون
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
