يقولون : يخلق أفعال أنفسهم ، فرد الله تعالى عليهم بقوله : (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) أي : من شأنه أن يخلق ومنه أفعال العباد ، والخلق هنا بمعنى الإحداث أي : أحدث كل شيء إحداثا مراعى فيه التقدير والتسوية (فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) أي : هيأه لما يصلح له ، مثاله أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدر الذي تراه ، فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة به في بابي الدين والدنيا ، وكذلك كل حيوان وجماد جاء به على الجبلة المستوية المقدرة ، وسمي إحداث الله خلقا ؛ لأنه لا يحدث شيئا لحكمة إلا على وجه التقدير من غير تفاوت.
فإذا قيل : خلق الله كذا ، فهو بمنزلة قولك : أحدث وأوجد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق ، فكأنه قيل : وأوجد كل شيء فقدره تقديرا في إيجاده ، ولم يوجده متفاوتا ، ولو حمل خلق كل شيء على معناه الأصلي من التقدير لصار الكلام : وقدر كل شيء فقدره ، فلم يصر له كبير فائدة ، وقيل : فجعل له غاية ومنتهى ومعناه : فقدره للبقاء إلى أمد معلوم.
واختلف في عود الضمير في قوله تعالى : (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ) أي : الله تعالى أي : غيره (آلِهَةً) على ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه يعود على الكفار الذين تضمنهم لفظ العالمين.
ثانيها : أنه يعود على من ادعى لله شريكا وولدا لدلالة قوله تعالى : (وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ).
ثالثها : أنه يعود على المنذرين لدلالة نذيرا عليهم ، ولما وصف نفسه سبحانه وتعالى بصفات الجلال والعزة والعلو أردفه بتزييف مذهب من يعبد غيره من وجوه منها : أنها ليست خالقة للأشياء بقوله تعالى : (لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً) والإله يجب أن يكون قادرا على الخلق والإيجاد ، ومنها : أنها مخلوقة بقوله تعالى : (وَهُمْ يُخْلَقُونَ) والمخلوق محتاج والإله يجب أن يكون غنيا ، وغلب العقلاء على غيرهم ؛ لأن الكفار كانوا يعبدون العقلاء كعزير والمسيح والملائكة ، وغيرهم كالكواكب والأصنام التي ينحتونها ويصورونها ، ومنها : أنها لا تملك لأنفسها ضرا ولا نفعا بقوله تعالى : (وَلا يَمْلِكُونَ) أي : لا يستطيعون (لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا) أي : دفعه (وَلا نَفْعاً) أي : جلبه ومن كان كذلك ، فليس بإله ، ومنها : أنها لا تقدر على موت ولا حياة ولا نشور بقوله تعالى : (وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً) أي : إماتة لأحد وإحياء لأحد (وَلا نُشُوراً) أي : بعثا للأموات ، فيجب أن يكون المعبود قادرا على إيصال الثواب إلى المطيعين ، والعقاب إلى العصاة ، فمن لا يكون كذلك يجب أن لا يصلح للإلهية.
تنبيه : احتج أهل السنة بقوله تعالى : (لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً) على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى ؛ لأنه تعالى عاب هؤلاء الكفار من حيث عبدوا ما لا يخلق شيئا ، وذلك يدل على أن من خلق يستحق أن يعبد ، فلو كان العبد خالقا لكان معبودا إلها ، ولما تكلم تعالى أولا على التوحيد ، وثانيا في الرد على عبدة غيره تكلم ، ثالثا في مسألة النبوة ، وحكى شبه الكفار في إنكار نبوة محمد صلىاللهعليهوسلم.
الشبهة الأولى : قوله تعالى : (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي : مظهرو الوصف الذي حملهم على هذا القول ، وهو ستر ما ظهر لهم ولغيرهم كالشمس والاجتهاد في إخفائه (إِنْ) أي : ما (هَذا) أي : القرآن (إِلَّا إِفْكٌ) أي : كذب مصروف عن وجهه (افْتَراهُ) اختلقه محمد صلىاللهعليهوسلم (وَأَعانَهُ عَلَيْهِ) أي : القرآن (قَوْمٌ آخَرُونَ) أي : من غير قومه ، وهم اليهود فإنهم يلقون إليه أخبار الأمم وهو يعبر
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
