المنارة البيضاء شرقي دمشق فيدركه عند باب لد فيقتله» (١) وعن حذيفة قال : سمعت رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقول : «إن مع الدجال إذا خرج ماء ونارا ، فأما الذي يرى الناس أنه نار فماء بارد وأما الذي يرى الناس أنه ماء فنار تحرق ، فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يرى الناس أنه نار فإنه ماء عذب بارد» (٢). وعن أبي هريرة : «ألا أحدثكم حديثا عن الدجال ما حدث به نبي قومه إنه أعور وإنه يجيء بمثال الجنة والنار فالتي يقول : إنها الجنة هي النار وإني أنذركم كما أنذر نوح قومه» (٣) وعن المغيرة بن شعبة قال : «ما سأل أحد رسول الله صلىاللهعليهوسلم عن الدجال أكثر ما سألته وأنه قال لي : ما يضرك قلت إنهم يقولون : أن معه جبال خبز ونهر ماء قال : هو أهون على الله من ذلك» (٤). أي : أهون على الله من أن يجعل ما خلق الله بيده مضلا للمؤمنين ومشككا لقلوبهم ، بل إنما جعله الله تعالى ليزدادوا إيمانا وتثبت الحجة على الكافرين والمنافقين ، وليس معناه ليس معه شيء من ذلك لما مر في الحديث أن معه ماء ونارا وذكر فيه أحاديث كثيرة ، وفي هذا القدر تذكرة لأولي الألباب أجارنا الله تعالى وأحبابنا من فتنته آمين.
ولما بين تعالى أن القول بالقيامة حق وكان من المعلوم بالضرورة أن الإنسان لا ينتفع في يوم القيامة إلا بطاعة الله والتضرع إليه لا جرم كان الاشتغال بالطاعة من أهم المهمات. ولما كان أشق أنواع الطاعات الدعاء والتضرع لا جرم أمر الله تعالى به فقال سبحانه : (وَقالَ رَبُّكُمُ) أي : المحسن إليكم بهدايتكم ووعدكم النصرة (ادْعُونِي) أي : اعبدوني دون غيري (أَسْتَجِبْ لَكُمْ) أي : أثبكم وأغفر لكم بقرينة قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ) أي : يوجدون الكبر (عَنْ عِبادَتِي) أي : عن الاستجابة لي فيما دعوت إليه من العبادة بالمجادلة في آياتي والإعراض عن دعائي (سَيَدْخُلُونَ) أي : بوعد لا خلف فيه (جَهَنَّمَ) فتلقاهم جزاء على كفرهم بالتجهم والعبوسة والكراهة (داخِرِينَ) أي : صاغرين حقيرين ذليلين وإن فسر الدعاء بالسؤال كان الاستكبار الصارف عنه منزلا منزلته للمبالغة والمراد بالعبادة : الدعاء فإنه من أبوابها ، روي عن أنس أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «الدعاء مخ العبادة» (٥) وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «من لم يسأل الله تعالى يغضب عليه» (٦) ، فإن قيل : إنه صلىاللهعليهوسلم قال حكاية عن ربه عزوجل : «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» (٧) فهذا يقتضي أن ترك الدعاء أفضل فكيف من لم يسأل
__________________
(١) أخرجه مسلم في الفتن حديث ٢٩٣٧ ، وأبو داود في الملاحم حديث ٤٣٢١ ، والترمذي في الفتن حديث ٢٢٤٠ ، وابن ماجه في الفتن حديث ٤٠٧٥.
(٢) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء حديث ٣٤٥٠.
(٣) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء حديث ٣٣٣٨.
(٤) أخرجه مسلم في الآداب حديث ٢١٥٢.
(٥) أخرجه الترمذي في الدعوات حديث ٣٣٧١ ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٢ / ٢٨٤ ، وابن حجر في فتح الباري ١١ / ٩٤.
(٦) أخرجه الترمذي في الدعوات حديث ٣٣٧٣ ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٥ / ٣٠ ، وابن حجر في فتح الباري ١١ / ٩٥ ، والقرطبي في تفسيره ١ / ١١٥.
(٧) أخرجه الترمذي حديث ٢٩٢٦ ، وابن حجر في فتح الباري ١١ / ١٤٧ ، والزبيدي في أتحاف السادة المتقين ٤ / ٣٧٥.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
