ولما بين تعالى أنه ينصر رسله وينصر المؤمنين في الدنيا والآخرة وضرب المثال في ذلك بحال موسى عليهالسلام خاطب بعد ذلك محمدا صلىاللهعليهوسلم بقوله تعالى : (فَاصْبِرْ) أي : يا أشرف الخلق على أذى قومك كما صبر موسى عليهالسلام على أذى فرعون (إِنَّ وَعْدَ اللهِ) أي : الذي له الكمال كله (حَقٌ) أي : في إظهار دينك وإهلاك أعدائك قال الكلبي : نسخت آية القتل آية الصبر ، وقوله تعالى : (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) إما أن يكون المصدر مضافا للمفعول أي : لذنب أمتك في حقك ، وإما أن يكون ذلك تعبدا من الله تعالى ليزيده به درجة وليصير سنة يستن به من بعده (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِ) هو من بعد الزوال (وَالْإِبْكارِ) قال الحسن رضي الله عنه : يعني صلاة العصر وصلاة الفجر. وقال ابن عباس رضي الله عنهما : الصلوات الخمس وذلك أن العشي من زوال الشمس.
إلى غروبها والإبكار من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، ولما ابتدأ بالرد على الذين يجادلون في آيات الله واتصل الكلام بعضه ببعض على الترتيب المتقدم إلى هنا نبه تعالى على الماهية التي تحمل الكفار على تلك المجادلة فقال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ) أي : يناصبون العداوة (فِي آياتِ اللهِ) أي : الملك الأعظم الدالة على تمام قدرته اللازم منه قدرته على البعث الذي في تذكره صلاح الدين والدنيا (بِغَيْرِ سُلْطانٍ) أي : برهان (أَتاهُمْ إِنْ) أي : ما (فِي صُدُورِهِمْ) أي : بصدهم عن سواء السبيل ، قال ابن عادل : ما حملهم على تكذيبك (إِلَّا كِبْرٌ) أي : تكبر عن الحق وتعظم عن التفكير والتعلم وآذن ذكر الصدور دون القلوب بعظمه جدا فإنه قد ملأ القلوب وفاض منها حتى شغل الصدور التي هي مساكنها (ما هُمْ بِبالِغِيهِ) قال مجاهد : ما هم ببالغي مقتضى ذلك الكبر لأن الله تعالى مذلهم ، وقال ابن قتيبة : إن في صدورهم إلا كبر على محمد صلىاللهعليهوسلم وطمع أن يغلبوه وما هم ببالغي ذلك ، قال المفسرون : نزلت في اليهود وذلك أنهم قالوا للنبي صلىاللهعليهوسلم : «إن صاحبنا المسيح بن داود يعنون الدجال يخرج في آخر الزمان فيبلغ سلطانه البر والبحر ويرد الملك علينا» قال الله تعالى : (فَاسْتَعِذْ) أي : اعتصم (بِاللهِ) أي : المحيط بكل شيء من فتنة الدجال ومن كيد من يحسدك ويبغى عليك وغير ذلك كما عاذ به موسى عليهالسلام لينجز لك ما وعدك به كما أنجز له ثم علل ذلك بقوله تعالى : (إِنَّهُ هُوَ) أي : وحده (السَّمِيعُ) أي : لأقوالهم (الْبَصِيرُ) أي : لأفعالهم.
ولما وصف تعالى جدالهم في الآيات بأنه بغير سلطان ولا حجة ذكر لهذا مثالا فقال : (لَخَلْقُ السَّماواتِ) أي : على عظمها وارتفاعها وكثرة منافعها واتساعها (وَالْأَرْضِ) أي : على ما ترون من عجائبها وكثرة منافعها (أَكْبَرُ) عند كل من يعقل (مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) أي : خلق الله تعالى لهم لأنهم شعبة يسيرة من خلقهما فعلم قطعا أن الذي قدر على ابتدائه مع عظمه قادر على إعادة الناس على حقارتهم (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ) وهم الذين ينكرون البعث وغيره (لا يَعْلَمُونَ) أي : لا علم لهم أصلا بل هم كالبهائم لغلبة الغفلة عليهم.
تنبيه : تقدير هذا الكلام أن الاستدلال بالشيء على غيره ينقسم ثلاثة أقسام ؛ أحدها : أن يقال لما قدر على الأضعف وجب أن يقدر على الأقوى وهذا فاسد. ثانيها : أن يقال لما قدر على الشيء قدر على مثله فهذا الاستدلال صحيح لما ثبت في الأصول أن حكم الشيء حكم مثله. ثالثها : أن يقال لما قدر على الأقوى الأكمل قدر على الأقل الأرذل بالأولى ، وهذا الاستدلال في غاية الصحة والقوة ولا يرتاب فيه عاقل البتة ثم إن هؤلاء القوم يسلمون أن خالق السموات
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
