على أن المراد بالأرض : الأرضون لأن هذا التأكيد لا يحسن إدخاله إلا على الجمع ، وقدم الأرض على السموات لمباشرتهم لها ومعرفتهم بحقيقتها.
ولما كان في هذه الدنيا من يدعي الملك والقهر والعظمة والقدرة وكان الأمر في الآخرة بخلاف هذا لانقطاع الأسباب قال تعالى : (يَوْمَ الْقِيامَةِ) ولا قبضة هناك لا حقيقة ولا مجازا وكذا الطي واليمين وإنما هو تمثيل وتخييل لتمام القدرة.
ولما كانوا يعلمون أن السموات سبع متطابقة بما يشاهدونه من سير النجوم جمع ليكون مع جميعا كالتصريح في جمع الأرض أيضا في قوله تعالى : (وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ) أي : مجموعات (بِيَمِينِهِ) قال الإمام الرازي : وههنا سؤالات ؛ الأول : أن العرش أعظم من السموات السبع والأرضين السبع ثم إنه تعالى قال في صفة العرش (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ) [الحاقة : ١٧] ، فإذا وصف الملائكة بكونهم حاملين العرش العظيم فكيف يجوز تقرير عظمة الله عزوجل بكونه حاملا للسموات والأرض؟ وأجاب : بأن مراتب التعظيم كثيرة.
فأولها : تقرير الله بكونه قادرا على هذه الأجسام العظيمة كما أن حفظها وإمساكها يوم القيامة عظيم ، ثم بعده تقرير عظمته بكونه قادرا على إمساك أولئك الملائكة الذين يحملون العرش.
السؤال الثاني : قوله تعالى : (وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) شرح حال لا تحصل إلا في القيامة والقوم ما شاهدوا ذلك فإن كان هذا الخطاب مع المصدقين للأنبياء فهم معترفون بأنه لا يجوز القول بجعل الأصنام شركاء لله فلا فائدة في إيراد هذه الحجة عليهم ، وإن كان الخطاب مع المكذبين بالنبوة فهم ينكرون قوله تعالى : (وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ) فكيف يمكن الاستدلال به على إبطال القول بالشرك؟.
وأجاب عنه : بأن المقصود منه أن المتولي لإبقاء السموات والأرضين من وجوه العمارة في هذا الوقت هو المتولي لتخريبها وإفنائها يوم القيامة ، وذلك يدل على حصول قدرة تامة على الإيجاد والإعدام ويدل أيضا على كونه قادرا غنيا على الإطلاق ، فإنه يدل على أنه إذا حاول تخريب الأرض فكأنه يقبض وذلك يدل على كمال الاستغناء.
السؤال الثالث : حاصل القول بالقبضة واليمين هو القدرة الكاملة الوافية بحفظ هذه الأجسام العظيمة فكما أن حفظها وإمساكها يوم القيامة ليس إلا بقدرته تعالى ، فكذلك الآن فما الفائدة في تخصيص هذه الأحوال بيوم القيامة؟ وأجاب : بأنه خصص تلك الحالة بيوم القيامة ليدل على أنه كما ظهر كمال قدرته في الإيجاد عند عمارة الدنيا يظهر كمال قدرته في الإعدام عند خراب الدنيا.
ولما كان هذا إنما هو تمثيل يعهد والمراد به الغاية في القدرة نزه نفسه المقدس عما ربما نسبه له المجسم والمشبه فقال تعالى : (سُبْحانَهُ) أي : تنزه من هذه القدرة قدرته عن كل شائبة نقص (وَتَعالى) علوا لا يحاط به (عَمَّا يُشْرِكُونَ) معه لأنه لو كان له شريك ينازعه في هذه القدرة أو بعضها لمنعه شيئا منها وهذه معبوداتهم لا قدرة لها على شيء البتة. روى البخاري في صحيحه في التوحيد وغيره عن عبد الله بن مسعود قال : «جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال : إذا كان يوم القيامة جعل الله تعالى السموات على إصبع والأرضين على إصبع والماء والثرى على إصبع والخلائق على إصبع ثم يهزهن ثم يقول : أنا الملك. فلقد رأيت النبي صلىاللهعليهوسلم يضحك حتى بدت
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
