ولا يتغايرن وقيل : أتراب للأزواج ، قال القفال : والسبب في اعتبار هذه الصفة لما تشابهن في الصفة والسن والجبلة كان الميل إليهن على السوية وذلك يقتضي عدم الغيرة.
وقرأ قوله تعالى : هذا ما يوعدون ابن كثير وأبو عمرو بالياء التحتية على الغيبة والباقون بالفوقية على الخطاب ، وجه الغيبة تقدم ذكر المتقين ، ووجه الخطاب الالتفات إليهم والإقبال عليهم أي : قل للمتقين هذا ما توعدون (لِيَوْمِ الْحِسابِ) أي : في يوم الحساب أو لأجله فإن الحساب علة الوصول إلى الجزاء.
(إِنَّ هذا) أي : المشار إليه إشارة الحاضر الذي لا يغيب (لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ) أي : انقطاع وهذا إخبار عن دوام هذا الثواب.
تنبيه : من نفاد فاعل ومن مزيدة والجملة في محل نصب على الحال من رزقنا أي : غير نافد ويجوز أن يكون خبرا ثانيا لأن أي : دائم.
ولما وصف تعالى ثواب المؤمنين وصف بعده عقاب الظالمين ليكون الوعيد مذكورا عقب الوعد والترغيب عقب الترهيب بقوله تعالى : (هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ) أي : مرجع هذا في مقابلة قوله تعالى : (وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ) [ص : ٤٩] والمراد بالطاغين الكفار ، وقال الجبائي : على مذهبه الفاسد هم أصحاب الكبائر سواء كانوا كفارا أم لا واحتج الأول بأن هذا ذم مطلق فلا يحمل إلا على الكامل في الطغيان وهو الكافر ، واحتج هو بقوله تعالى : (إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى) [العلق : ٦ ـ ٧] فدل على أن الوصف بالطغيان قد يحصل لصاحب الكبيرة لأن من تجاوز حد تكاليف الله تعالى وتعداها فقد طغى ورد هذا بأن المراد بالإنسان هنا هو الكافر أيضا.
تنبيه : هذا يحتمل أن يكون مبتدأ والخبر مقدر أي : كما ذكر ، كما قدره الزمخشري ، وقدره أبو علي بقوله : هذا للمؤمنين ، وقال الجلال المحلي : هذا المذكورة للمؤمنين ويحتمل أن يكون خبر متبدأ مضمر أي : الأمر هذا.
وقوله تعالى : (جَهَنَّمَ) أي : الشديدة الاضطرام الملاقية لمن يدخلها بغاية العبوسة والتجهم فيه إعراب جنات المتقدم ، وقوله تعالى : (يَصْلَوْنَها) أي : يدخلونها فيباشرون شدائدها حال من جهنم (فَبِئْسَ الْمِهادُ) أي : المهد والفراش مستعار من فرش النائم ، وهذا معنى قوله تعالى (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ) [الأعراف : ٤١] شبه الله تعالى ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفرش للنائم ، والمخصوص بالذم محذوف أي : هي.
وفي قوله تعالى : (هذا) أي : العذاب المفهوم مما بعده أوجه من الإعراب : أحدها : أنه خبر مبتدأ مضمر أي : الأمر هذا ، ثم استأنف أمرا فقال : (فَلْيَذُوقُوهُ) ثانيها : أنه مبتدأ أو خبره (حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ) واسم الإشارة يكتفي بواحده في المثنى كقوله تعالى : (عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ) [البقرة : ٦٨] أو يكون المعنى : هذا جامع بين الوصفين ويكون قوله تعالى : (فَلْيَذُوقُوهُ) جملة اعتراضية. ثالثها : أنه مبتدأ والخبر محذوف أي : هذا كما ذكر وهذا للطاغين وقيل غير ذلك ، وقيل : هذا على التقديم والتأخير والتقدير : هذا حميم وغساق فليذوقوه وقيل التقدير : جهنم يصلونها فبئس المهاد هذا فليذوقوه ثم يبتدئ فيقول : حميم وغساق أي : منه حميم وغساق ، والحميم : الحار الذي انتهى حره ، والغساق : ما يسيل من صديد أهل النار ، وقال كعب : هو عين في جهنم يسيل إليها كل ذوب حية وعقرب ، وقال أبو عمرو : هو القيح الذي يسيل من أهل النار
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
