قال الكلبي : غزا سليمان أهل دمشق ونصيبين فأصاب منهم ألف فرس ، وقال مقاتل : ورث سليمان من أبيه داود ألف فرس ، وقال عوف عن الحسن : بلغني أنها كانت خيلا خرجت من البحر لها أجنحة ، وعن عكرمة : أنها كانت عشرين ألف فرس لها أجنحة فصلى سليمان الصلاة الأولى التي هي الظهر وقعد على كرسيه وهي تعرض عليه منها تسعمائة فرس فتنبه لصلاة العصر فإذا الشمس قد غربت وفاتته الصلاة ولم يعلم بذلك هيبة له فاغتم لذلك.
(فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ) أي : أردت (حُبَّ الْخَيْرِ) أي : الخيل (عَنْ ذِكْرِ رَبِّي) أي : صلاة العصر (حَتَّى تَوارَتْ) أي : الشمس (بِالْحِجابِ) أي : استترت بما يحجبها عن الأبصار.
(رُدُّوها عَلَيَ) أي : الخيل المعروضة ، وقيل : الضمير يرجع للشمس ، قال الرازي : وهذا بعيد لوجوه :
الأول : أن الصافنات مذكورة بالصريح والشمس غير مذكورة وعود الضمير إلى المذكور أولى من عوده إلى المقدر.
وثانيها : أنه لو اشتغل بالخيل حتى غربت الشمس وفاتته صلاة العصر كان ذلك ذنبا عظيما ومن كان هذا حاله فطريقه التضرع والبكاء والمبالغة في إظهار التوبة ، فأما أن يقول على سبيل العظمة لرب العالمين مثل هذه الكلمة العارية عن كل جهات الأدب عقب ذلك الجرم العظيم الذي لا يصدر عن أبعد الناس عن الخير فكيف يجوز إسناده للرسول عليهالسلام المطهر المكرم.
ثالثها : أن الشمس لو رجعت بعد الغروب لصار ذلك مشاهدا لكل أهل الدنيا ولو كان كذلك لتوفرت الدواعي على نقله وحيث لم ينقل علمنا فساده ، انتهى. قال أكثر المفسرين : فلما ردوا الخيل إليه أقبل يضرب سوقها وأعناقها بالسيف أخذا من قوله تعالى (فَطَفِقَ مَسْحاً) أي : فأخذ يمسح السيف مسحا (بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ) أي : سوقها وأعناقها يقطعها من قولهم : مسح علاوته إذا ضرب عنقه ، قالوا : فعل ذلك تقربا إلى الله تعالى وطلبا لمرضاته حيث اشتغل عن طاعته وكان ذلك مباحا له وإن كان حراما علينا كما أبيح لنا ذبح بهيمة الأنعام وبقي منها مائة فرس فما بقي في أيدي الناس اليوم من الخيل من نسل تلك المائة.
قال الحسن : فلما عقر الخيل أبدله الله تعالى خيرا منها وأسرع وهي الريح تجري بأمره كيف شاء ، قال الرازي : وهذا عندي بعيد لوجوه.
الأول : أنه لو كان مسح السوق والأعناق قطعها لكان معنى فامسحوا برؤوسكم أي : اقطعوها وهذا لا يقوله عاقل بل لو قيل : مسح رأسه بالسيف فربما فهم منه ضرب العنق أما إذا لم يذكر لفظ السيف لم يفهم منه البتة من المسح العقر والذبح.
الثاني : أن القائلين بهذا القول أجمعوا على أن لسليمان عليهالسلام أنواعا من الأفعال المذمومة فأولها : ترك الصلاة وثانيها : أنه استولى عليه الاشتغال بحب الدنيا حتى نسي الصلاة وقال صلىاللهعليهوسلم : «حب الدنيا رأس كل خطيئة» (١) وثالثها : أنه بعد الإتيان بهذا الذنب العظيم لم يشتغل بالتوبة
__________________
(١) أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٣ / ١٣١ ، ٧ / ٣٥٤ ، والمتقي الهندي في كنز العمال ٦١١٤ ، والتبريزي في مشكاة المصابيح ٥٢١٣ ، والسيوطي في الدر المنثور ٦ / ٣٤١ ، والمنذري في الترغيب والترهيب ٣ / ٢٥٧.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
