الحشر والنشر كان شاكا في حكمة الله تعالى في خلق السموات والأرض.
ونزل لما قال كفار مكة للمؤمنين إنا نعطى في الآخرة مثل ما تعطون : (أَمْ نَجْعَلُ) أي : على عظمتنا (الَّذِينَ آمَنُوا) أي : امتثالا لأوامرنا (وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) تحقيقا لإيمانهم (كَالْمُفْسِدِينَ) أي : المطبوعين على الفساد والراسخين فيه (فِي الْأَرْضِ) أي : في السفر وغيره لم نجعلهم مثلهم وأم منقطعة والاستفهام فيها لإنكار التسوية بين الحزبين التي هي من لوازم خلقها باطلا ليدل على نفيه وكذا التي في قوله تعالى : (أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) كرر الإنكار الأول باعتبار وصفين آخرين يمنعان التسوية ، أولا بين المؤمنين والكافرين ثم بين المتقين من المؤمنين والمجرمين منهم.
وقوله تعالى : (كِتابٌ) خبر مبتدأ مضمر أي : هذا كتاب ثم وصفه بقوله تعالى : (أَنْزَلْناهُ) أي : بما لنا من العظمة (إِلَيْكَ) يا أشرف الخلق (مُبارَكٌ) أي : كثير خيره ونفعه ، وقوله تعالى : (لِيَدَّبَّرُوا) أصله ليتدبروا أدغمت التاء في الدال (آياتِهِ) أي : ليتفكروا في أسراره العجيبة ومعانيه اللطيفة فيأتمروا بأوامره ومناهيه فيؤمنوا (وَلِيَتَذَكَّرَ) أي : وليتعظ به (أُولُوا الْأَلْبابِ) أي : أصحاب العقول.
القصة الثانية : قصة سليمان عليهالسلام المذكورة في قوله تعالى : (وَوَهَبْنا) أي : بما لنا من العظمة (لِداوُدَ سُلَيْمانَ) ابنه فجاء عديم النظير في ذلك الزمان دينا ودنيا وعلما وحكمة وعظمة ورحمة ، والمخصوص بالمدح في قوله تعالى : (نِعْمَ الْعَبْدُ) محذوف أي : سليمان ، وقيل : داود (إِنَّهُ أَوَّابٌ) أي : رجاع إلى التسبيح والذكر في جميع الأوقات.
(إِذْ) أي : اذكر إذ (عُرِضَ عَلَيْهِ) أي : سليمان ، وقوله تعالى : (بِالْعَشِيِ) وهو ما بعد الزوال إلى الغروب ، وقوله تعالى : (الصَّافِناتُ) أي : الخيل العربية الخالصة جمع صافنة وفيه خلاف بين أهل اللغة فقال الزجاج : هو الذي يقف على إحدى يديه ويقف على طرف سنبكه وقد يفعل ذلك بإحدى رجليه قال وهي علامة الفراهة فيه وأنشد (١) :
|
ألف الصفون فلا يزال كأنه |
|
مما يقوم على الثلاث كسيرا |
وقيل : هو الذي يجمع يديه ويسويهما ، وقيل : هو القائم مطلقا أي : سواء كان من الخيل أم من غيرها قاله القتيبي واستدل بقوله صلىاللهعليهوسلم : «من سره أن تقوم الناس له صفونا فليتبوأ مقعده من النار» (٢) أي : يديمون له القيام وجاء الحديث قمنا صفونا أي : صافين أقدامنا ، وقيل : هو قيام الخيل مطلقا ، أي : سواء وقف على طرف سنبكه أم لا ، قال الفراء : على هذا رأيت أشعار العرب ، واختلف أيضا في قوله تعالى : (الْجِيادُ) فهي إما من الجودة ويقال : جاد الفرس يجود جودة وجودة بالفتح والضم فهو جواد للذكر والأنثى ، وهو الذي يجود في جريه بأعظم ما يقدر عليه ، والجمع جياد وأجواد وأجاويد ، وقيل : جمع لجود بالفتح كثياب وثوب ، وإما من الجيد وهو العنق ، والمعنى : طويلة الأجياد وهو دال على فراهتها.
__________________
(١) البيت من الكامل ، وهو بلا نسبة في الأزهية ص ٨٧ ، وأمالي ابن الحاجب ٢ / ٦٣٥ ، وشرح شواهد المغني ٢ / ٧٢٩ ، ولسان العرب (صفن) ، ومغني اللبيب ١ / ٣١٨.
(٢) روي الحديث بلفظ : «من سرّه أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» ، أخرجه بهذا اللفظ الترمذي حديث ٢٧٥٥ ، والطبراني في المعجم الكبير ١٩ / ٣٥١ ، ٣٥٢.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
