رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «ألا تصفون كصفوف الملائكة عند ربهم» قلنا : وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال : «يتمون الصفوف المتقدمة ويتراصون في الصف» (١). وقيل : هي الملائكة تصف أجنحتها في الهواء واقفة حتى يأمرها الله تعالى بما يريد ، وقيل : هي الطير تصف أجنحتها في الهواء لقوله تعالى : (وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ) [النور : ٤١]. واختلف أيضا في قوله تعالى : (فَالزَّاجِراتِ زَجْراً) فأكثر المفسرين على أنها الملائكة تزجر السحاب وتسوقه ، وقال قتادة : هي زواجر القرآن تنهي وتزجر عن القبيح ، واختلف أيضا في قوله تعالى : (فَالتَّالِياتِ ذِكْراً) فالأكثر أيضا ، أنهم الملائكة عليهمالسلام يتلون ذكر الله تعالى ، وقيل : هم جماعة قراء القرآن.
فإن قيل : قال أبو مسلم الأصفهاني : لا يجوز حمل هذه الألفاظ على الملائكة ؛ لأنها مشعرة بالتأنيث والملائكة عليهمالسلام مبرؤون من هذه الصفة. أجيب بوجهين :
الأول : أن الصافات جمع الجمع فإنه يقال : جماعة صافة ثم تجمع على صافات.
والثاني : أنهم مبرؤون من التأنيث المعنوي وأما التأنيث اللفظي فلا ، وكيف وهم يسمون بالملائكة مع أن علامة التأنيث حاصلة.
تنبيه : اختلف الناس ههنا في المقسم به على قولين :
أحدهما : أن المقسم به خالق هذه الأشياء لنهيه صلىاللهعليهوسلم عن الحلف بغير الله تعالى ، ولأن الحلف في مثل هذا الموضع تعظيم للمحلوف به ، ومثل هذا التعظيم لا يليق إلا بالله تعالى ، ففي ذلك إضمار تقديره ورب الصافات ورب الزاجرات ورب التاليات ، ومما يؤيد هذا أنه تعالى صرح به في قوله تعالى : (وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها) [الشمس : ٥ ـ ٧].
والثاني : وعليه الأكثر أن المقسم به هذه الأشياء لظاهر اللفظ فالعدول عنه خلاف الدليل ، وأما النهي عن الحلف بغير الله تعالى فهو نهي للمخلوق عن ذلك ، وأما قوله تعالى : (وَما بَناها) فإنه علق لفظ القسم بالسماء ثم عطف عليه القسم بالباني للسماء ولو كان المراد بالقسم بالسماء القسم بمن بنى السماء لزم التكرار في موضع واحد ، وهو لا يجوز ، وأيضا لا يبعد أن تكون الحكمة في قسم الله تعالى بهذه الأشياء ، التنبيه على شرف ذواتها.
وقال البيضاوي : أقسم بالملائكة الصافين في مقام العبودية على مراتب باعتبارها تفيض عليهم أنوار الهيبة منتظرين لأمر الله ، الزاجرين للأجرام العلوية والسفلية بالتدبير المأمور فيها ، أو الناس عن المعاصي بإلهام الخير ، أو الشياطين عن التعرض لهم التالين لآيات الله وجلايا قدسه على أنبيائه وأوليائه أو بطواف الأجرام المترتبة كالصفوف المرصوصة والأرواح المدبرة لها والجواهر القدسية المستغرقة في بحار القدس يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، أو بنفوس العلماء الصادقين في العبارات الزاجرين عن الكفر والفسوق بالحجج والنصائح التالين آيات الله وشرائعه ، أو بنفوس الغزاة الصادقين في الجهاد الزاجرين للخيل والعدو التالين ذكر الله لا يشغلهم عنه مباراة العدو ، وقال الزمخشري : الفاء في ، فالزاجرات والتاليات إما أن تدل على ترتب معانيها في الوجود كقوله (٢) :
__________________
(١) أخرجه مسلم في الصلاة حديث ٤٣٠.
(٢) البيت من السريع ، وهو لابن زيابة في خزانة الأدب ٥ / ١٠٧ ، والدرر ٦ / ١٦ ، وسمط اللآلي
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
