إلى الموقف الذي أعده لهم من أحسن إليهم بالتربية (يَنْسِلُونَ) أي : يسرعون المشي مع تقارب الخطا بقوة ونشاط فيا لها من قدرة شاملة وحكمة كاملة حيث كان صوت واحد يحيي تارة ويميت أخرى.
فإن قيل : المسيئ إذا توجه إلى من أحسن إليه يقدم رجلا ويؤخر أخرى والنسلان سرعة المشي فكيف يوجد منهم؟ أجيب : بأنهم ينسلون من غير اختيارهم.
فإن قيل : قال في آية أخرى (فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ) [الزمر : ٦٨] وقال ههنا (فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ) والقيام غير النسلان وقوله تعالى في الموضعين (فَإِذا هُمْ) يقتضي أن يكونا معا؟ أجيب : بأن القيام لا ينافي المشي السريع ؛ لأن الماشي قائم ولا ينافي النظر وبأن ذلك لسرعة الأمور كان الكل في زمان واحد كقول القائل (١) :
مكر مفر مقبل مدبر معا
واعلم أن النفختين يورثان تزلزلا وانقلابا للأجرام فعند اجتماع الأجرام يفرقها وهو المراد بالنفخة الأولى وعند تفرق الأجرام يجمعها وهو المراد النفخة الثانية.
ولما تشوقت النفوس إلى ما يقولون إذا عاينوا ما كانوا ينكرون استأنف قوله تعالى : (قالُوا) أي : الذين هم من أهل الويل (يا) للتنبيه (وَيْلَنا) أي : هلاكنا وهو مصدر لا فعل له من لفظه (مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا).
قال أبي بن كعب وابن عباس وقتادة : إنما يقولون هذا ؛ لأن الله تعالى يرفع عنهم العذاب بين النفختين فيرقدون فإذا بعثوا بعد النفخة الأخيرة وعاينوا القيامة دعوا بالويل.
وقال أهل المعاني : إن الكفار إذا عاينوا جهنم وأنواع عذابها دعوا بالويل وصار عذاب القبر في جنبها كالنوم فعدوا مكانهم الذي كانوا فيه مع ما كانوا فيه من عذاب البرزخ مرقدا هينا بالنسبة إلى ما انكشف لهم من العذاب الأكبر فقالوا : من بعثنا من مرقدنا ، فإن قيل : ما وجه تعلق من بعثنا من مرقدنا بقولهم يا ويلنا؟ أجيب : بأنهم لما بعثوا تذكروا ما كانوا يسمعون من الرسل عليهم الصلاة والسلام فقالوا : يا ويلنا أبعثنا الله البعث الموعود به أم كنا نياما فنبهنا؟ كما إذا كان الإنسان موعودا بأن يأتيه عدو لا يطيقه ، ثم يرى رجلا هائلا يقبل عليه فيرتجف في نفسه ويقول : أهذا ذاك أم لا؟ ويدل على هذا قولهم (مِنْ مَرْقَدِنا) حيث جعلوا القبور موضع الرقاد إشارة إلى أنهم شكوا في أنهم كانوا نياما فتنبهوا أو كانوا موتى فبعثوا ، وكان الغالب على ظنهم هو البعث فجمعوا بين الأمرين وقالوا من مرقدنا إشارة إلى متوهمهم احتمال الانتباه.
وقولهم (هذا) إشارة إلى البعث (ما) أي : الذي (وَعَدَ) أي : به (الرَّحْمنُ) أي : العام الرحمة الذي رحمته مقتضية ولا بد للبعث لينصف المظلوم من ظالمه ويجازي كلا بعمله من غير حيف وقد رحمنا بإرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام إلينا بذلك وطالما أنذرونا حلوله وحذرونا
__________________
(١) عجزه :
كجلمود صخر حطّه السيل من عل
والبيت من الطويل ، وهو لامرئ القيس في ديوانه ص ١٩ ، ولسان العرب (علا) ، وجمهرة اللغة ص ١٢٦ ، وكتاب العين ٧ / ١٧٤ ، وإصلاح المنطق ص ٢٥ ، وخزانة الأدب ٢ / ٣٩٧ ، والدرر ٣ / ١١٥ ، والشعر والشعراء ١ / ١١٦ ، والكتاب ٤ / ٢٢٨.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
