سفينة نوح عليهالسلام لم تكن بحضرتهم ولم يعلموا من حمل فيها فأما جنس الفلك فإنه ظاهر لكل أحد.
وقوله تعالى في سفينة نوح عليهالسلام (وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ) [العنكبوت : ١٥] أي : بوجود جنسها ومثلها ويؤيده قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) [لقمان : ٣١] ، فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ) ولم يقل : وآية لهم الفلك؟ أجيب : بأن حملهم في الفلك هو العجب أما نفس الفلك فليس بعجيب ؛ لأنه كبيت مبني من خشب وأما نفس الأرض فعجيب ونفس الليل فعجيب لا قدرة لأحد عليهما إلا الله.
فإن قيل : قال تعالى (وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) [الإسراء : ٧٠] ولم يقل : ذريتكم مع أن المقصود في الموضعين بيان النعمة لا دفع النقمة. أجيب : بأنه تعالى لما قال (فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) عم الخلق جميعا ؛ لأن ما من أحد إلا وحمل في البر والبحر ، وأما الحمل في البحر فلم يعم فقال : إن كنا ما حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره من الأولاد والأقارب والإخوان والأصدقاء ، وقرأ نافع وابن عامر بألف بعد الياء التحتية وكسر الفوقانية على الجمع ، والباقون بغير ألف وفتح الفوقانية على الإفراد واختلف في تفسير قوله تعالى :
(وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ) أي : من مثل الفلك (ما يَرْكَبُونَ) فقال ابن عباس : يعني الإبل فالإبل في البر كالسفن في البحر وقيل : أراد به السفن التي عملت بعد سفينة نوح عليهالسلام على هيأتها ، وقال قتادة والضحاك وغيرهما : أراد به السفن الصغار التي تجري في الأنهار كالفلك الكبار في البحار.
(وَإِنْ نَشَأْ) أي : لأجل ما لنا من القوة الشاملة والقدرة التامة (نُغْرِقْهُمْ) أي : مع أن هذا الماء الذي يركبونه ليس كالماء الذي حملنا آباءهم (فَلا صَرِيخَ لَهُمْ) أي : مغيث لهم لينجيهم مما نريد بهم من الغرق أو فلا إغاثة كقولهم : أتاهم الصريخ (وَلا هُمْ) أي : بأنفسهم من غير صريخ (يُنْقَذُونَ) أي : يكون لهم إنقاذ أي : خلاص لأنفسهم أو غيرها.
(إِلَّا رَحْمَةً) أي : فنحن ننقذهم إن شئنا رحمة (مِنَّا) أي : لهم لا وجوبا علينا ولا لمنفعة تعود منهم إلينا (وَمَتاعاً) أي : وتمتيعنا إياهم بلذاتهم (إِلى حِينٍ) أي : إلى انقضاء آجالهم.
(وَإِذا قِيلَ لَهُمُ) أي : من أي : قائل كان (اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ) أي : من عذاب الدنيا كغيركم (وَما خَلْفَكُمْ) من عذاب الآخرة (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) تعاملون معاملة المرحوم بالإكرام ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما ما بين أيديكم يعني : الآخرة فاعملوا لها وما خلفكم يعني : الدنيا فاحذروها ولا تغتروا بها ، وقال قتادة ومقاتل : ما بين أيديكم وقائع الله فيمن كان قبلكم من الأمم وما خلفكم عذاب الآخرة.
تنبيهان : أحدهما : (إِلَّا رَحْمَةً) منصوب على المفعول له وهذا مستثنى مفرغ وقيل : مستثنى منقطع وقيل : على المصدر بفعل مقدر وقيل : على إسقاط الخافض أي : إلا برحمة والفاء في قوله تعالى (فَلا صَرِيخَ لَهُمْ) رابطة لهذه الجملة بما قبلها ، فالضمير في لهم عائد على المغرقين.
ثانيهما : جواب إذا محذوف تقديره أعرضوا يدل عليه قوله تعالى بعده (إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ) وعلى هذا فلفظ كانوا زائد.
(وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ) أي : المحسن إليهم (إِلَّا كانُوا) أي : مع كونها من عند
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
