للسباحة على وجه الماء بقوله تعالى : (وَآيَةٌ لَهُمْ) أي : على قدرتنا التامة (أَنَّا) أي : على ما لنا من العظمة (حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ) أي : آباءهم الأصول ، قال البغوي : واسم الذرية يقع على الآباء كما يقع على الأولاد والألف واللام في قوله تعالى (فِي الْفُلْكِ) للتعريف أي : فلك نوح عليه الصلاة والسلام وهو مذكور في قوله تعالى (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا) [هود : ٣٧] وهو معلوم عند العرب ثم وصف الفلك بقوله تعالى : (الْمَشْحُونِ) أي : الموقر المملوء حيوانا وناسا وهو يتقلب في تلك المياه التي لم ير أحد قط مثلها ولا يرى أيضا ومع ذلك فسلمها الله تعالى ، وأيضا الآدمي يرسب في الماء ويغرق فحمله في الفلك وقع بقدرته تعالى لكن من الطبيعيين من يقول : الخفيف لا يرسب ؛ لأنه يطلب جهة فوق فقال (الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) أثقل من الثقال التي ترسب ومع هذا حمل الله الإنسان فيه مع ثقله.
وقال أكثر المفسرين : إن الذرية لا تطلق إلا على الولد وعلى هذا فالمراد : إما أن يكون الفلك المعين الذي كان لنوح عليه الصلاة والسلام وإما أن يكون المراد الجنس كقوله تعالى (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ) [الزخرف : ١٢] وقوله تعالى (وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ) [فاطر : ١٢] وقوله تعالى (فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ) [العنكبوت : ٦٥] إلى غير ذلك من استعمال لام التعريف في الفلك لبيان الجنس ، فإن كان المراد : سفينة نوح عليهالسلام ففيه وجوه.
الأول : أن المراد حملنا أولادهم إلى يوم القيامة في ذلك الفلك ولو لا ذلك ما بقي للأب نسل ولا عقب وعلى هذا فقوله تعالى (حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ) إشارة إلى كمال النعمة أي : لم تكن النعمة مقتصرة عليكم بل متعدية إلى أعقابكم إلى يوم القيامة وهذا قول الزمخشري قال ابن عادل : ويحتمل أن يقال : إنه تعالى إنما خص الذرية بالذكر ؛ لأن الموجودين كانوا كفارا لا فائدة في وجودهم فقال تعالى (حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ) أي : لم يكن الحمل حملا لهم وإنما كان حملا لما في أصلابهم من المؤمنين كمن حمل صندوقا لا قيمة له وفيه جواهر قيل : إنه لم يحمل الصندوق وإنما حمل ما فيه.
ثانيها : أن المراد بالذرية الجنس أي : حملنا أجناسهم ؛ لأن ذلك الحيوان من جنسه ونوعه والذرية تطلق على الجنس ولذلك تطلق على النساء لنهي النبي صلىاللهعليهوسلم عن قتل الذراري (١) أي : النساء لأن المرأة ، وإن كانت صنفا غير صنف الرجل لكنها من جنسه ونوعه يقال : ذرارينا أي : أمثالنا.
ثالثها : أن الضمير في قوله تعالى (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ) للعباد وكذا (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ) وإذا علم هذا فكأنه تعالى قال : وآية للعبادة أنا حملنا ذرية العباد ولا يلزم أن يكون المراد بالضمير في الموضعين أشخاصا معينين كقوله تعالى (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) [النساء : ٢٩] (وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) [الأنعام : ٦٥] ولذلك إذا تقاتل قوم ومات الكل في القتال فقال هؤلاء القوم : هم قتلوا أنفسهم فهم في الموضعين يكون عائدا إلى القوم ولا يكون المراد أشخاصا معينين بل المراد أن بعضهم قتل بعضهم فكذلك قوله تعالى (وَآيَةٌ لَهُمْ) أي : آية لكل بعض منهم أنا حملنا ذرية كل بعض منهم أو ذرية بعض منهم وإن قلنا المراد : جنس الفلك قال ابن عادل : وهو الأظهر ؛ لأن
__________________
(١) في الحديث أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «لا تقتلنّ ذرّية ولا عسيفا» أخرجه ابن ماجه في الجهاد باب ٣٠ ، والدارمي في السير باب ٢٤ ، وأحمد في المسند ٣ / ٤٣٥ ، ٤٨٨ ، ٤ / ١٧٨.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
