نَصِيرٍ) أي : في وقت الحاجة حتى يرفع العذاب عنهم قال البقاعي وهذا عام في كل ظالم.
ولما كان تعالى عالما بكل ما نفى وما أثبت قال تعالى : (إِنَّ اللهَ) أي : الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما (عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) لا تخفى عليه خافية فلا يخفى عليه تعالى أحوالهم وقوله تعالى (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) تعليل له ؛ لأنه إذا علم مضمرات الصدور قبل أن يعلمها أربابها حتى تكون غيبا محضا كان أعلم بغيره ، ويعلم أنكم لو مدّت أعماركم لم ترجعوا عن الكفر أبدا ولو رددتم لعدتم لما نهيتم عنه وإنه لا مطمع في صلاحكم.
ولما كان من أنشأ شيئا كان أعلم به قال تعالى :
(هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَساراً (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً (٤٠) إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤١) وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (٤٢) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً (٤٣) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً (٤٤) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً (٤٥))
(هُوَ) أي : وحده لا شركاؤكم ولا غيرهم (الَّذِي جَعَلَكُمْ) أيها الناس (خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ) أي : يخلف بعضكم بعضا ، وقيل : جعلكم أمة واحدة خلفت من قبلها ورأت فيمن قبلها ما ينبغي أن يعتبر به ، وقال القشيري : أهل كل عصر خليفة عمن تقدّمهم فمن قوم هم لسلفهم جمال ومن قوم هم أرذال وأسافل.
تنبيه : خلائف جمع خليفة وهو الذي يقوم بعد الإنسان بما كان قائما به والخلفاء : جمع خليفة قاله الأصبهاني (فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ) أي : وبال كفره (وَلا) أي : والحال أنه لا (يَزِيدُ الْكافِرِينَ) أي : المغطين للحق (كُفْرُهُمْ) أي : الذي هم ملتبسون به ظانون أنه يسعدهم وهم راسخون فيه غير منتقلين عنه (عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي : المحسن إليهم (إِلَّا مَقْتاً) أي : غضبا ؛ لأن الكافر السابق كان ممقوتا (وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ) أي : العريقين في صفة التغطية للحق (كُفْرُهُمْ إِلَّا خَساراً) أي : للآخرة ؛ لأن العمر كرأس مال من اشترى به رضا الله تعالى ربح ، ومن اشترى به سخط الله تعالى خسر.
ولما بين أنه سبحانه هو الذي استخلفهم أكد بيان ذلك عندهم بأمره صلىاللهعليهوسلم بما يضطرهم إلى الاعتراف بقوله تعالى : (قُلْ) أي : لهم (أَرَأَيْتُمْ) أي : أخبروني (شُرَكاءَكُمُ) أضافهم إليهم ؛ لأنهم وإن كانوا جعلوهم شركاءه لم ينالوا شيئا من شركته ؛ لأنهم ما نقصوه شيئا من ملكه وإنما شاركوا العابدين في أموالهم بالسوائب وغيرها وفي أعمالهم فهم شركاؤهم بالحقيقة لا شركاؤه ، ثم بين المراد من عدّهم لهم شركاء بقوله تعالى : (الَّذِينَ تَدْعُونَ) أي : تعبدون (مِنْ دُونِ اللهِ)
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
