الثالثة ، ذكر في المعذبين الأشقياء أنه لا ينقضي عذابهم ولم يقل تعالى : نزيدهم عذابا وفي المثابين قال تعالى (وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) [النور : ٣٨] وقوله تعالى (كَذلِكَ) إما مرفوع المحل أي : الأمر كذلك وإما منصوبه أي : مثل ذلك الجزاء العظيم (نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ) أي : كافر بالله تعالى وبرسوله ، وقرأ أبو عمرو بياء مضمومة وفتح الزاي ورفع كل ، والباقون بنون مفتوحة وكسر الزاي ونصب كل.
(وَهُمْ) أي : فعل ذلك بهم والحال أنهم (يَصْطَرِخُونَ فِيها) أي : يوجدون الصراخ فيها بغاية ما يقدرون عليه من الجهد في الصياح من البكاء والتوجع يقولون (رَبَّنا) أي : أيها المحسن إلينا (أَخْرِجْنا) أي : من النار (نَعْمَلْ صالِحاً) ثم فسروه وبينوه بقولهم (غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) في الدنيا ، فإن قيل : هلا اكتفى بقولهم (نَعْمَلْ صالِحاً) كما اكتفى به في قولهم (فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً) [السجدة : ١٢] وما فائدة زيادة (غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) على أنه يوهم أنهم يعملون صالحا آخر غير الصالح الذي عملوه؟ أجيب : بأن فائدته زيادة التحسر على ما عملوه من غير الصالح مع الاعتراف به وأما الوهم فزائل بظهور حالهم في الكفر وظهور المعاصي ، ولأنهم كانوا يحسبون أنهم على سيرة صالحة كما قال تعالى (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) [الكهف : ١٠٤] فقالوا : أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نحسبه صالحا فنعمله ، فيقال لهم توبيخا وتقريعا : (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ) أي : نطل أعماركم مع إعطائنا لكم العقول ولم نعاجلكم بالأخذ.
(ما) أي : زمانا (يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) قال عطاء وقتادة والكلبي : ثماني عشرة سنة وقال الحسن : أربعون سنة وقال ابن عباس : ستون سنة ، وروي ذلك عن علي ، وروى البزار أنه صلىاللهعليهوسلم قال : «العمر الذي أعذر الله تعالى فيه إلى ابن آدم ستون سنة» (١) وروى البخاري أنه صلىاللهعليهوسلم قال : «من عمرّه الله ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر» (٢) وروى الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلىاللهعليهوسلم قال : «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين» (٣) وأقلهم من يجوز ذلك.
وقوله تعالى : (وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ) عطف على (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ) لأنه في معنى قد عمرناكم كقوله (أَلَمْ نُرَبِّكَ) [الشعراء : ١٨] ثم قال (وَلَبِثْتَ) وقال تعالى (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) [الشرح : ١] ثم قال تعالى (وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ) [الشرح : ٢] إذ هما في معنى ربيناك وشرحنا ، واختلف في النذير فقال الأكثرون : هو محمد صلىاللهعليهوسلم ، وقيل : القرآن ، وقال عكرمة وسفيان بن عيينة ووكيع : هو الشيب ، والمعنى : أو لم نعمركم حتى شبتم ويقال : الشيب نذير الموت ، وفي الأثر ما من شعرة تبيض إلا قالت لأختها : استعدي فقد قرب الموت.
ولما تسبب عن ذلك أن عذابهم لا ينفك قال تعالى : (فَذُوقُوا) أي : ما أعددناه لكم من العذاب دائما أبدا (فَما لِلظَّالِمِينَ) أي : الذين وضعوا أعمالهم وأقوالهم في غير موضعها (مَنْ
__________________
(١) أخرجه ابن كثير في تفسيره ٦ / ٥٤٠ ، وابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ١٣٩.
(٢) أخرجه أحمد في المسند ٢ / ٤١٧ ، والبيهقي في السنن الكبرى ٣ / ٣٧٠ ، والسيوطي في الدر المنثور ٥ / ٢٥٤ ، والطبري في تفسيره ٢٢ / ٩٣ ، والقرطبي في تفسيره ٦ / ٦٣ ، وابن كثير في تفسيره ٦ / ٥٤٠.
(٣) أخرجه الترمذي في الدعوات حديث ٣٥٥٠ ، وابن ماجه في الزهد حديث ٤٢٣٦ ، والبيهقي في السنن الكبرى ٣ / ٣٧٠ ، والحاكم في المستدرك ٢ / ٤٢٧.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
