ومذهب سيبويه جوازه ، وقال ابن عادل : والأولى فيه أن يسمى توكيدا لفظيا إذ الأصل سود غرابيب سود.
ولما ذكر تعالى ما الأغلب فيه الماء مما استحال إلى أمر آخر بعيد من الماء وأتبعه التراب الصرف ختم بما الأغلب فيه التراب مما استحال إلى ما هو في غاية البعد من التراب فقال : (وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِ) ولما كانت الدابة في الأصل اسما لما دبّ على الأرض ثم غلب إطلاقه على ما يركب قال : (وَالْأَنْعامِ) ليعم الكل صريحا (مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ) أي : ألوان ذلك البعض الذي أفهمته من (كَذلِكَ) أي : مثل الثمار والأراضي منه ما هو ذو لون ومنه ما هو ذو لونين أو أكثر.
ولما قال تعالى (أَلَمْ تَرَ) بمعنى ألم تعلم أن الله أنزل من السماء ماء وعدد آيات الله وأعلام قدرته وآثار صنعه وما خلق من الفطر المختلفة الأجناس ، وما يستدل به عليه وعلى صفاته من أنه فاعل بالاختيار فهو يفعل ما يشاء قال تعالى : (إِنَّما يَخْشَى اللهَ) أي : الذي له جميع صفات الكمال (مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) قال ابن عباس رضي الله عنه : يريد إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني ، فالخشية بقدرة معرفة المخشي ، والعالم يعلم الله فيخافه ويرجوه ، وهذا دليل على أن العالم أعلى درجة من العابد لقوله تعالى : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ) [الحجرات : ١٣] بين تعالى أن الكرامة بقدر التقوى ، والتقوى بقدر العلم لا بقدر العمل ، فمن ازداد منه علما ازداد منه خشية وخوفا ، ومن كان علمه به أقل كانت خشيته أقل ، قال رسول الله عليه الصلاة والسلام : «إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية» (١) وقال صلىاللهعليهوسلم : «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» (٢).
وقال مسروق : كفى بالمرء علما أن يخشى ، وكفى بالمرء جهلا أن يعجب بعمله ، وقال رجل للشعبي : أفتني أيها العالم فقال له : العالم من خشي الله تعالى ، قال السهروردي في الباب الثالث من معارفه : فينتفي العلم عمن لا يخشى الله تعالى كما إذا قال إنما يدخل الدار بغدادي فينتفي دخول غير البغدادي الدار ، وقيل : نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وقد ظهرت عليه الخشية حتى أثرت فيه ، فإن قيل : هل يختلف المعنى إذا قدم المفعول في هذا الكلام أو أخر؟ أجيب : بأنه يختلف فإنك إذا قدمت اسم الله وأخرت العلماء كان المعنى إن الذين يخشون الله من بين عباده هم العلماء دون غيرهم ، فإذا عملت على العكس انقلب المعنى إلى أنهم لا يخشون إلا الله كقوله تعالى (وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللهَ) [الأحزاب : ٣٩] وهما معنيان مختلفان.
تنبيه : رسم العلماء بالواو وقوله تعالى (إِنَّ اللهَ) أي : المحيط بالجلال والإكرام (عَزِيزٌ) أي : غالب على جميع أمره (غَفُورٌ) أي : لذنوب من أراد من عباده تعليل لوجوب الخشية لدلالته على أنه معاقب للمصرّ على طغيانه غفور للتائب عن عصيانه ، والمعاقب والمثيب حقه أن يخشى.
ولما بين سبحانه العلماء بالله وخشيتهم وكرامتهم بسب خشيتهم ذكر العالمين بكتاب الله العاملين بما فيه بقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ) أي : يداومون على تلاوته وهي شأنهم
__________________
(١) أخرجه البخاري في الأدب باب ٧٢ ، والاعتصام باب ٥ ، وملم في الفضائل حديث ١٢٧ ، ١٢٨ ، والدارمي في المقدمة باب ٣٢ ، وأحمد في المسند ٦ / ٤٥ ، ١٨١.
(٢) أخرجه البخاري في تفسير القرآن حديث ٤٦٢١ ، ومسلم في الصلاة حديث ٤٢٦.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
