جاز تذكيره ، ولو أنث فقيل : مختلفة كما تقول : اختلفت ألوانها لجاز أي : مختلفة الأجناس من الرمان والتفاح والعنب وغيرها مما لا يحصر أو الهيئات من الحمرة والصفرة والخضرة ونحوها ، فالذي قدر على المفاوتة بينها وهي من ماء واحد لا يستبعد عليه أن يجعل الدلائل بالكتاب وغيره نورا لشخص وعمى لآخر.
ولما ذكر تعالى تنوع ما من الماء وقدمه ؛ لأنه الأصل في التكوين أتبعه التكوين من التراب الذي هو أيضا شيء واحد بقوله تعالى ذاكرا ما هو أصلب الأرض وأبعدها عن قابلية التكوين : (وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ) قال الجلال المحلّي رحمهالله تعالى : جمع جدة : طريق في الجبل وغيره وقال الزمخشري : الجدد الخطوط والطرائق ، وقال أبو الفضل : الجدة ما تخالف من الطرائق لون ما يليها ، ومنه جدة الحمار للخطة السوداء على ظهره ، وقد يكون للظبي جدتان مسكيتان تفصلان بين لوني ظهره وبطنه (بِيضٌ وَحُمْرٌ) وصفر وقوله تعالى (مُخْتَلِفٌ) صفة لجدد وقوله تعالى (أَلْوانُها) فاعل به كما مر في نظيره ، ويحتمل معنيين : أحدهما : أن البياض والحمرة يتفاوتان بالشدة والضعف فرب أبيض أشد من أبيض وأحمر أشد من أحمر فنفس البياض مختلف وكذا الحمرة ، فلذلك جمع ألوانها فيكون من باب المشكك. والثاني : أن الجدد كلها على لونين بياض وحمرة والبياض والحمرة وإن كانا لونين إلا أنهما جمعا باعتبار محلهما.
وقوله تعالى (وَغَرابِيبُ سُودٌ) فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه معطوف على حمر عطف ذي لون على ذي لون. ثانيها : أنه معطوف على بيض. ثالثها : واقتصر عليه الجلال المحلي أنه معطوف على جدد أي : صخور شديدة السواد قال الجلال المحلي : يقال كثيرا : أسود غربيب ، وقليلا غربيب أسود ، وقال البغوي : أي : سود غرابيب على التقديم والتأخير يقال : أسود غربيب أي : شديد السواد تشبيها بلون الغراب أي : طرائق سود ، وعن عكرمة : هن الجبال الطوال السود ، وقال الزمخشري : الغربيب تأكيد للأسود ، ومن حق التوكيد أن يتبع المؤكد كقولك : أصفر فاقع ، ووجهه أن يضمر المؤكد قبله فيكون الذي بعده مفسرا لما أضمر كقوله النابغة الجعدي (١) :
|
والمؤمن العائذات الطير تمسحها |
|
ركبان مكة بين الغيل والسند |
هما موضعان والمؤمن : اسم الله وهو مجرور بالقسم والعائذات : منصوب بالمؤمن والمراد بها : الحمام لما عاذت بمكة والتجأت إليها حرم التعرض لها ، والطير منصوب بالبدل أو بعطف البيان ، ووجه الاستدلال بذلك : أن الطير دال على المحذوف وهو مفعول لمؤمن والعائذات الطير ، قال أبو حيان : وهذا لا يصح إلا على مذهب من يجوز حذف المؤكد ، ومن النحويين من منعه وهو اختيار ابن مالك ، ورد عليه بأن هذا ليس هو التأكيد المختلف في حذف مؤكده ؛ لأن هذا من باب الصفة والموصوف ومعنى تسميه الزمخشري له توكيدا من حيث إنه لا يفيد معنى زائدا وإنما يفيد المبالغة والتوكيد في ذلك اللون ، والنحويون قد سموا الوصف إذا لم يفد غير الأول توكيدا فقالوا : وقد يجيء لمجرد التوكيد نحو قوله تعالى (نَفْخَةٌ واحِدَةٌ) [الحاقة : ١٣] و (إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ) [النحل : ٥١] والتوكيد المختلف في حذف مؤكده ، إنما هو في باب التوكيد الصناعي ،
__________________
(١) البيت من البسيط ، وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ص ٢٥ ، وخزانة الأدب ٥ / ٧١ ، ٧٣ ، ١٨٣ ، وبلا نسبة في خزانة الأدب ٩ / ٣٨٦ ، وشرح المفصل ٣ / ١١.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
