تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٠) وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتاباً (٧١) وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً (٧٢) وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً (٧٤) أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً (٧٥) خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٧٦) قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً (٧٧))
(وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ) من البيتوتة قال الزجاج : كل من أدركه الليل قيل : بات وإن لم ينم كما يقال : بات فلان قلقا والمعنى يبيتون (لِرَبِّهِمْ) أي : المحسن إليهم (سُجَّداً) على وجوههم في الصلاة وقدّمه لأنه أنهى الخضوع ، وأخر عنه قوله تعالى : (وَقِياماً) أي : على أقدامهم وإن كان تطويل القيام أفضل للروي ، وتخصيص البيتوتة ؛ لأن العبادة في الليل أشق وأبعد من الرياء ، قال الزمخشري : والظاهر أنه وصف لهم بإحياء الليل أو أكثره ، وقيل : من قرأ شيئا من القرآن في صلاة وإن قل فقد بات ساجدا وقائما ، وقال ابن عباس : من صلى بعد العشاء ركعتين فقد بات ساجدا وقائما ، وقيل : هما الركعتان لركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء ، وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «من صلى عشاء الآخرة في جماعة كان كقيام نصف ليلة ، ومن صلى الصبح في جماعة كان كقيام ليلة» (١).
ولما ذكر تعالى تهذيبهم للخلق والخالق وصفهم الله تعالى أنهم مع ذلك خائفون وجلون وهي الصفة الرابعة بقوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا) أي : المحسن إلينا (اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ) قال ابن عباس : يقولون في سجودهم وقيامهم هذا القول ، ثم علل سؤالهم بقوله تعالى : (إِنَّ عَذابَها كانَ) أي : كونا جبلت عليه (غَراماً) أي : هلاكا وخسرانا ملحا لازما لا ينفك عنه كما قال (٢) :
|
إن يعاقب يكن غراما وإن يع |
|
ط جزيلا فإنه لا يبالي |
ومنه الغريم لملازمته وإلحاحه فهم يبتهلون إلى الله تعالى في صرف العذاب عنهم لعدم اعتدادهم بأعمالهم ووثوقهم على استمرار أحوالهم.
ولما ثبت لهم هذا الوصف أنتج قوله تعالى : (إِنَّها ساءَتْ) أي : تناهت هي في كل ما يحصل منه سوء وهي في معنى بئست في جميع المذام (مُسْتَقَرًّا) أي : موضع استقرار (وَمُقاماً) أي : موضع إقامة.
تنبيه : ساءت في حكم بئست كما مر ففيها ضمير مبهم يفسره مستقرا ، والمخصوص بالذم محذوف معناه ساءت مستقرا ومقاما هي وهذا الضمير هو الذي ربط الجملة باسم إن وجعلها خبرا لها ، ويجوز أن تكون ساءت بمعنى أحزنت ففيها ضمير اسم إن ومستقرا حال أو تمييز والتعليلان
__________________
(١) أخرجه الدارمي في الصلاة حديث ١٢٢٤.
(٢) البيت من الخفيف ، وهو للأعشى في ديوانه ص ٥٩ ، ولسان العرب (غرم) ، ومقاييس اللغة ٤ / ٤١٩ ، وتاج العروس (غرم) ، وبلا نسبة في تهذيب اللغة ٨ / ١٣١ ، والمخصص ٤ / ٦٢ ، و ١٢ / ٩٨.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
