ولا يجوز أن يعمل فيه نفس البشرى لوجهين : أحدهما : أنها مصدر والمصدر لا يعمل فيما قبله ، والثاني : أنها منفية بلا ، وما بعد لا لا يعمل فيما قبلها. وقوله : (وَيَقُولُونَ) أي : في ذلك الوقت (حِجْراً مَحْجُوراً) عطف على المدلول ويقول الكفرة لهم حينئذ : هذه الكلمة استعاذة وطلبا من الله تعالى أن يمنع لقاء الملائكة عنهم مع أنهم كانوا يطلبون نزول الملائكة ويقترحونه وهم إذا رأوهم عند الموت أو يوم القيامة كرهوا لقاءهم وفزعوا منهم ؛ لأنهم لا يلقونهم إلا بما يكرهون ، وقالوا عند رؤيتهم ما كانوا يقولونه عند لقاء العدو والشدة النازلة أو نحو ذلك : حجرا محجورا يضعونها موضع الاستعاذة ، فهم يقولون ذلك إذا عاينوا الملائكة. قال سيبويه : يقول الرجل للرجل : تفعل كذا وكذا فيقول : حجرا ، وهي من حجره إذا منعه ؛ لأن المستعيذ طالب من الله أن يمنع المكروه عنه فلا يلحقه ، وكأن المعنى : أسأل الله أن يمنع ذلك منعا ويحجره حجرا ، وقال ابن عباس : تقول الملائكة : حراما محرما أن يدخل الجنة إلا من قال : لا إله إلا الله ، وقيل : إذا خرج الكفار من قبورهم تقول الملائكة لهم : حرام محرم عليكم أن تكون لكم البشرى.
ولما كان المريد لإبطال شيء لشدة كراهته له لا يقنع في إبطاله بغيره بل يأتيه بنفسه فيبطله ، عبر تعالى بقوله : (وَقَدِمْنا) أي : وعمدنا بما لنا من العظمة والقدرة الباهرة في ذلك اليوم الذي يرون فيه الملائكة سواء كان في الدنيا أم في الآخرة (إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ) أي : من مكارم الأخلاق من الجود وصلة الرحم وإغاثة الملهوف ونحو ذلك (فَجَعَلْناهُ) لكونه لم يؤسس على الإيمان ، وإنما هو للهوى والشيطان (هَباءً) وهو ما يرى في شعاع الشمس الداخل من كوّة مما يشبه الغبار (مَنْثُوراً) أي : مفرقا أي : مثله في عدم النفع إذ لا ثواب فيه لعدم شرطه ويجازون عليه في الدنيا ، فتكون النار مستقرهم ومقيلهم.
ولهذا بين حال أضدادهم وهم المؤمنون بقوله تعالى : (أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ) أي : يوم إذ يرون الملائكة (خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا) من الكفار (وَأَحْسَنُ مَقِيلاً) منهم ، والمستقر المكان الذي يكونون فيه في أكثر أوقاتهم مستقرين يتجالسون ويتحادثون ، والمقيل : المكان الذي يأوون إليه للاسترواح إلى أزواجهم والتمتع بمغازلتهن وملامستهن كما أن المترفين في الدنيا يعيشون على ذلك الترتيب ، روي : أنه يفرغ من الحساب في نصف ذلك اليوم ، فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ؛ قال ابن مسعود : لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ، وقال ابن عباس في هذه الآية : الحساب في ذلك اليوم في أوله ، وقال : يوم القيامة يقصر على المؤمنين حتى يكون قدر ما بين العصر إلى غروب الشمس.
تنبيه : في أفعل قولان : أحدهما : أنها على بابها من التفضيل ، والمعنى : أن المؤمنين خير في الآخرة مستقرا من مستقر الكفار ، وأحسن مقيلا من مقيلهم ولو فرض أن يكون لهم ذلك أو على أنهم خير في الآخرة منهم في الدنيا.
والثاني : أن يكون لمجرد الوصف من غير مفاضلة ومن ذلك المعنى قوله تعالى : (إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ) [يس ، ٥٥ ـ ٥٦] ذكروا في تفسير الشغل افتضاض الأبكار ، وإنما سمي مكان دعتهم واسترواحهم الحور مقيلا مع أنه لا نوم في الجنة على طريق التشبيه.
ثم عطف تعالى على قوله تعالى يوم يرون قوله تعالى : (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ) أي : كل سماء
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
