(ما كانَ يَنْبَغِي) أي : يستقيم (لَنا أَنْ نَتَّخِذَ) أي : نتكلف أن نأخذ باختيارنا بغير إرادة منك (مِنْ دُونِكَ) أي : غيرك (مِنْ أَوْلِياءَ) للعصمة أو لعدم القدرة ، فكيف يستقيم لنا أن نأمر بعبادتنا؟ فإن قيل : ما فائدة أنتم وهم ، وهلا قيل : أأضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل؟ أجيب : بأن السؤال ليس عن الفعل ووجوده ؛ لأنه لو لا وجوده ؛ لما توجه هذا العتاب ، وإنما هو عن متوليه فلا بد من ذكره وإيلائه حرف الاستفهام حتى يعلم أنه المسؤول عنه.
تنبيه : من أولياء مفعول أول ، ومن زائدة لتأكيد النفي ، وما قبله المفعول الثاني ، ولما تضمن كلامهم أنا لم نضللهم ولم نحملهم على الضلال حسن الاستدراك بقولهم : (وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ) وهو أن ذكروا سببه أي : أنعمت عليهم وعلى آبائهم من قبلهم بأنواع النعم والصحة وطول العمر في الدنيا ، فجعلوا ذلك ذريعة إلى ضلالهم عكس القضية (حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ) أي : تركوا الإيمان بالقرآن ، وقيل : تركوا ذكرك وغفلوا عنه (وَكانُوا) أي : في علمك بما قضيت عليهم في الأزل (قَوْماً بُوراً) أي : هلكى ، وهو مصدر وصف به ، ولذلك يستوي فيه الواحد والجمع ، أو جمع بائر كعائذ وعوذ.
وقوله : (فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ) فيه التفات إلى العبدة بالاحتجاج والإلزام على حذف القول ، والمعنى : فقد كذب المعبودون العابدين (بِما) أي : بسبب ما (تَقُولُونَ) أي : أيها العابدون من أنهم يستحقون العبادة ، وأنهم يشفعون لكم وأنهم أضلوكم ، ولما تسبب عن تخليهم عن عبدتهم أنه لا نفع في أيديهم ولا ضر قال تعالى : (فَما تَسْتَطِيعُونَ) أي : المعبودون (صَرْفاً) أي : لشيء من الأشياء عن أحد من الناس لا أنتم ولا غيركم من عذاب ولا غيره بوجه حيلة ولا شفاعة ولا معاداة (وَلا نَصْراً) أي : منعا لكم من الله تعالى إن أراد بكم سوءا ، وهذا نحو قوله تعالى : (فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً) [الإسراء ، ٥٦] ، وقرأ حفص بالتاء على الخطاب ، والباقون بالياء على الغيبة (وَمَنْ يَظْلِمْ) أي : بالشرك (مِنْكُمْ) أي : أيها المكلفون (نُذِقْهُ) أي بما لنا من العظمة (عَذاباً كَبِيراً) أي : شديدا في الدنيا بالقتل أو الأسر أو ضرب الجزية ، وفي الآخرة بنار جهنم.
روى الضحاك عن ابن عباس أنه قال : لما عير المشركون رسول الله صلىاللهعليهوسلم بقولهم : (ما لِهذَا الرَّسُولِ) إلى آخرها أنزل الله تعالى : (وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ) أي : يا أشرف الخلق أحدا (مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا) وحالهم (إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ) كما تأكل ويأكل غيرك من الآدمين (وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ) كما تفعل فهذه عادة مستمرة من الله تعالى في كل رسله وهم يعلمون ذلك بالسماع من أخبارهم ، وهذا تأكيد من الله تعالى ؛ لأنهم لا يكذبونه صلىاللهعليهوسلم ، وقيل : معنى الآية وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا قد قيل لهم مثل هذا أنهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق كما قال تعالى في موضع آخر : (ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ) [فصلت ، ٤٣] (وَجَعَلْنا) أي بالعطاء والمنع بما لنا من العظمة (بَعْضَكُمْ) أي : أيها الناس (لِبَعْضٍ فِتْنَةً) أي : بلية والمعنى : أنه تعالى ابتلى المرسلين بالمرسل إليهم وبمناصبتهم والعداوة لهم وأقاويلهم الخارجة عن حد الإنصاف ، وجعل الغني فتنة للفقير والصحيح فتنة للمريض والشريف فتنة للوضيع ، يقول الثاني من كل مالي لا أكون كالأول؟ وقال ابن عباس : جعلت بعضكم بلاء لبعض لتصبروا على ما تسمعون منهم وترون من خلافهم فتتبعوا الهدى أم لا ، وقال مقاتل : نزلت هذه الآية في أبي جهل والوليد بن عقبة والعاصي
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
