«لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل قيل : يا رسول الله ما الاستعجال قال : يقول : قد دعوت فلم يستجب لي فيستحسر» (١) أي : يمل عند ذلك ويدع الدعاء ، فليدع الإنسان وهو موقن بالإجابة.
وقال محمد بن كعب القرظي : الطلب من الملائكة للمؤمنين سألوا ربهم للمؤمنين بقولهم (رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ) وقيل : إن المكلفين سألوها بلسان الحال ؛ لأنهم لما تحملوا المشقة الشديدة في طاعة الله كان ذلك قائما مقام السؤال ، قال المتنبي (٢) :
|
في النفس حاجات وفيك فطانة |
|
سكوتي كلام عندها وخطاب |
ولما ذكر تعالى حالهم في نفسهم أتبعه ذكر حالهم مع معبوداتهم من دونه بقوله تعالى : (وَيَوْمَ) أي : واذكر لهم يوم نحشرهم أي : المشركين ، وقرأ ابن كثير وحفص بالياء ، والباقون بالنون ، واختلف في المراد بقوله تعالى : (وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) أي : غيره فقال الأكثرون : من الملائكة والجن والمسيح وعزير وغيرهم ، وقال عكرمة والضحاك والكلبي : من الأصنام ، فقيل لهم : كيف يخاطب الله تعالى الجماد بقوله تعالى : (فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ) أي : أوقعتموهم في الضلال بأمركم إياهم بعبادتكم (أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ) أي : طريق الحق بأنفسهم ، فأجابوا بوجهين :
أحدهما : أنه تعالى يخلق الحياة فيها ويخاطبها.
ثانيهما : أن يكون ذلك بالكلام النفساني لا بالقول اللساني بل بلسان الحال كما ذكره بعضهم في تسبيح الجماد وكلام الأيدي والأرجل ، ويجوز أن يكون السؤال عاما لهم جميعا ، فإن قيل : كيف صح استعمال ما في العقلاء؟ أجيب : على الأول : بأنه أريد به الوصف كأنه قيل : ومعبوديهم ألا تراك تقول إذا أردت السؤال عن صفة زيد : ما زيد تعني أطويل أم قصير ، فقيه أم طبيب؟ ، وقال تعالى : (وَالسَّماءِ وَما بَناها) [الشمس ، ٥] (وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ) [الكافرون ، ٣] ، وأما على القول الثاني : فواضح ، وأما على القول الثالث : فغلب غير العاقل لغلبة عباده أو تحقيرا ، فإن قيل : ما فائدة هذا السؤال مع أن الله تعالى كان عالما في الأزل بحال المسؤول عنه؟ أجيب : بأن هذا سؤال تقريع للمشركين كما قال لعيسى عليهالسلام : (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ) [المائدة ، ١١٦] ، وقرأ ابن عامر فنقول بالنون ، والباقون بالياء ، وقرأ أأنتم نافع وابن كثير بتسهيل الثانية وإدخال ألف بينها وبين همزة الاستفهام ، وورش وابن كثير بتسهيل الثانية ولا ألف بينهما وبين الأولى ولورش وجه آخر وهو إبدال الثانية ألفا ، وهشام بتسهيل الثانية وتحقيقها مع الإدخال ، والباقون بتحقيقهما ، وقرأ هؤلاء أم هم نافع وابن كثير وأبو عمرو في الوصل بإبدال الهمزة من أم ياء خالصة ، والباقون بتحقيقها.
(قالُوا سُبْحانَكَ) أي : تنزيها لك عما لا يليق بك ، أو تعجبا مما قيل لهم ؛ لأنهم إما ملائكة أو أنبياء معصومون فما أبعدهم عن الضلال الذي هو مختص بإبليس وجنوده ، أو جمادات وهي لا تقدر على شيء ، أو إشعارا بأنهم الموسومون بتسبيحه وتوحيده ، فكيف يليق بهم إضلال عبيده؟
__________________
(١) أخرجه مسلم في الذكر حديث ٢٧٣٥.
(٢) البيت من الطويل ، وهو في ديوان المتنبي ٢ / ٢٤٤ (طبعة دار الكتب العلمية).
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
