بيتك فسلم على أهلك ، فهم أحق بالسلام ممن سلمت عليهم ، وإذا دخلت بيتا لا أحد فيه فقل : السّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، حدثنا أن الملائكة ترد عليه (تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ) أي : ثابتة بأمره مشروعة من لدنه (مُبارَكَةً) أي : لأنه يرجى بها زيادة الخير والثواب (طَيِّبَةً) أي : تطيب بها نفس المستمع ، والتحية طلب سلامة وحياة للمسلم عليه والمحيا من عند الله ، ووصفها بالبركة والطيب ؛ لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها من الله تعالى زيادة الخير وطيب الرزق ، وعن أنس قال : خدمت رسول الله صلىاللهعليهوسلم عشر سنين ، وقيل : تسع سنين ، فما قال لي لشيء فعلته : لم فعلته؟ ولا قال لي لشيء تركته : لم تركته؟ وكنت واقفا على رأسه أصب الماء على يديه ، فرفع رأسه فقال : «ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بها» قلت : بلى بأبي أنت وأمي يا رسول الله قال : «متى لقيت من أمتي أحدا فسلم عليه يطل عمرك وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك ، وصلّ صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار الأوابين» (١).
تنبيه : تحية منصوب على المصدر من معنى فسلموا ، فهو من باب قعدت جلوسا فكأنه قال : فحيوا تحية ، وقال القفال : وإن كان في البيت أهل الذمة ، فليقل : السّلام على من اتبع الهدى ، وكرر قوله تعالى : (كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ) أي : الذي أحاط علمه بكل شيء (لَكُمُ الْآياتِ) ثالثا لمزيد التأكيد وتفخيم الأحكام المختتمة به ، وفصل الأولين بما هو المقتضي لذلك وهذا بما هو المقصود منه ، فقال تعالى : (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) أي : عن الله أمره ونهيه وأدبه.
ولما كان أمر رسول الله صلىاللهعليهوسلم أجل موطن تجب الإقامة فيه ويهجر ما عداه من الأوطان قال تعالى:
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤))
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ) أي : الكاملون في الإيمان (الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ) أي : الملك الأعلى (وَرَسُولِهِ) أي : ظاهرا وباطنا (وَإِذا كانُوا مَعَهُ) أي : الرسول صلىاللهعليهوسلم (عَلى أَمْرٍ جامِعٍ) أي : يجمعهم من حرب حضرت أو صلاة جمعة أو عيد أو جماعة أو تشاور في أمر نزل ، ووصف الأمر بالجمع للمبالغة أو من الإسناد المجازي ؛ لأنه لما كان سببا في جمعهم نسب الفعل إليه مجازا (لَمْ يَذْهَبُوا) أي : يتفرقوا عنه ولم ينصرفوا عما اجتمعوا له لعذر لهم (حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ) قال الكلبي : كان النبي صلىاللهعليهوسلم يعرض في خطبته بالمنافقين ، ويعيبهم فينظر المنافقون يمينا وشمالا فإذا لم يرهم أحد انسلوا وخرجوا ولم يصلوا ، وإن أبصرهم أحد لبثوا وصلوا خوفا ، فنزلت هذه الآية ، فكان المؤمن
__________________
(١) أخرجه ابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ١٢٠ ، والذهبي في ميزان الاعتدال ٧١ ، وابن حجر في لسان الميزان ٦ / ١٠٧٣.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
