قوله : (اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً) أي : لا يردن الرجال لكبرهن ، قال ابن منبه : سميت المرأة قاعدا إذا كبرت ؛ لأنها تكثر القعود ، وقال ربيعة : هن العجز اللواتي إذا رآهن الرجل استقذرهن ، فأما من كان فيها بقية من جمال وهي محل الشهوة فلا تدخل في هذه الآية (فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ) أي : حرج في (أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَ) أي : الظاهرة فوق الثياب الساترة بحضرة الرجال كالجلباب والرداء والقناع فوق الخمار ، أما الخمار فلا يجوز وضعه لما فيه من كشف العورة (غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ) أي : من غير أن يردن بوضع الجلباب والرداء إظهار زينتهن ، ثم إن الزينة الخفية في قوله تعالى : (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَ) [النور ، ٣٠] أو غير قاصدات بالوضع التبرج ، والتبرج هو أن تظهر المرأة محاسن ما ينبغي لها أن تستره ، ولما ذكر الله تعالى الجائز عقبه بالمستحب بعثا منه على اختيار أفضل الأعمال وأحسنها بقوله تعالى : (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ) أي : فلا يلقين الرداء أو الجلباب (خَيْرٌ لَهُنَ) من الإلقاء كقوله تعالى : (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى) [البقرة ، ٢٣٧] ، (وَأَنْ تَصَدَّقُوا) لأنه أبعد عن التهمة (وَاللهُ) أي : الذي جلت عظمته (سَمِيعٌ) لقولكم (عَلِيمٌ) بما في قلوبكم.
واختلف في سبب نزول قوله تعالى : (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ) أي : في مؤاكلة غيره (وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) كذلك ، فقال ابن عباس لما أنزل الله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ) [النساء ، ٢٩] تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والزمني والعمى والعرج ، وقالوا : الطعام أفضل الأموال ، وقد نهى الله تعالى عن أكل المال بالباطل ، والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب ، والأعرج لا يتمكن من الجلوس ولا يستطيع المزاحمة على الطعام ، والمريض يضعف عن التناول فلا يستوفي من الطعام حقه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وعلى هذا تكون على بمعنى في ؛ أي : ليس في الأعمى أي : ليس عليكم في مؤاكلة الأعمى والأعرج والمريض حرج.
وقال سعيد بن جبير والضحاك وغيرهما : كان العرجان والعميان والمرضى يتنزهون عن مؤاكلة الأصحاء ؛ لأن الناس يستقذرون منهم ويكرهون مؤاكلتهم ، وعن عكرمة : كانت الأنصار في أنفسها قزازة فكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا استغنوا ، وكان هؤلاء يقولون : الأعمى ربما أكل أكثر ، وربما سبقت يده إلى ما سبقت عين آكليه إليه ، وهو لا يشعر ، والأعرج ربما أخذ في مجلسه مكان اثنين فيضيق على جليسه ، والمريض لا يخلو من رائحة تؤذي أو جرح يبض أو نحو ذلك فنزلت ، وقال مجاهد : نزلت الآية ترخيصا لهؤلاء في الأكل من بيوت من سمى الله في هذه الآية ، وذلك أن هؤلاء كانوا يدخلون محل الرجل لطلب الطعام ، فإذا لم يكن عنده ما يطعمهم ذهب بهم إلى بيت أبيه وبيت أمه ، وبعض من سمى الله تعالى في هذه الآية ، فكان أهل الزمانة يتحرجون من هذا الطعام ويقولون : ذهب بنا إلى بيت غيره فنزلت الآية.
وقال سعيد بن المسيب : كان المسلمون إذا غزوا غلقوا منازلهم ويدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون : قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا ، فكانوا يتحرجون من ذلك ويقولون : لا ندخلها وهم غيب ، فأنزل الله تعالى هذه الآية رخصة لهم ، وقال الحسن : نزلت رخصة لهؤلاء في التخلف عن الجهاد ، وقال : تم الكلام عند قوله تعالى : (وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ،) وقوله تعالى : (وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ) كلام مستأنف منقطع عما قبله فإن قيل : أي فائدة في
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
