عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال : لو أن رجلا دخل بيتا في جوف بيت فأدى هناك عملا أوشك الناس أن يتحدثوا به ، وما من عامل عمل عملا إلا كساه الله رداء عمله إن كان خيرا فخير ، وإن كان شرا فشر ، وعن سعيد : لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوّة لخرج عمله للناس كائنا من كان (إِنَّ اللهَ) أي : الذي له الإحاطة بكل شيء (خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) أي : لا يخفى عليه شيء من سرائركم فإنه فاضحكم لا محالة ، ومجازيكم على نفاقكم.
ولما نبه الله تعالى على خداعهم ، وأشار إلى عدم الاغترار بإيمانهم أمر بترغيبهم وترهيبهم مشيرا إلى الإعراض عن عقوبتهم بقوله تعالى : (قُلْ) أي : لهم (أَطِيعُوا اللهَ) أي : الذي له الكمال المطلق (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) أي : الذي له الرسالة المطلقة ظاهرا وباطنا ، وقوله تعالى : (فَإِنْ تَوَلَّوْا) أي : عن طاعته بحذف إحدى التاءين خطاب لهم أي : فإن تتولوا فما ضررتموه ، وإنما ضررتم أنفسكم (فَإِنَّما عَلَيْهِ) أي : محمد صلىاللهعليهوسلم (ما حُمِّلَ) أي : ما حمله الله تعالى من أداء الرسالة ، وإذا أدّى فقد خرج من عهدة التكليف (وَعَلَيْكُمْ) أي : وأما أنتم فعليكم (ما حُمِّلْتُمْ) أي : ما كلفتم من التلقي بالقبول والإذعان ، فإن لم تفعلوا وتوليتم فقد عرضتم أنفسكم لسخط الله وعذابه ، وإن أطعتموه فقد أحرزتم نصيبكم من الخروج عن الضلالة إلى الهدى ، فالنفع والضر عائد إليكم (وَإِنْ تُطِيعُوهُ) بالإقبال على كل ما يأمركم به (تَهْتَدُوا) أي : إلى كل خير (وَما عَلَى الرَّسُولِ) أي : من جهة غيره (إِلَّا الْبَلاغُ) أي : وما الرسول إلا ناصح وهاد ، وما عليه إلا أن يبلغ ما له نفع في قبولكم ، ولا عليه ضرر في توليتكم ، والبلاغ بمعنى التبليغ كالأداء بمعنى التأدية ، ومعنى (الْمُبِينُ) كونه مقرونا بالآيات والمعجزات. روي أنه صلىاللهعليهوسلم قال على المنبر : «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله ، والتحدث بنعمة الله شكر ، وتركه كفر ، والجماعة رحمة والفرقة عذاب» (١) ، وقال أبو أمامة الباهلي : عليكم بالسواد الأعظم ، فقال رجل : ما السواد الأعظم؟ فنادى أبو أمامة هذه الآية في سورة النور ، فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم.
وقوله تعالى : (وَعَدَ اللهُ) أي : الذي له الإحاطة بكل شيء (الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا) أي : تصديقا لإيمانهم (الصَّالِحاتِ) خطاب للنبي صلىاللهعليهوسلم وللأمة أو له ولمن معه ومن للبيان ، ثم أكد غاية التأكيد بلام القسم لما عند أكثر الناس من الريب في ذلك بقوله تعالى : (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ) أي : أرض العرب والعجم بأن يمدّ زمانهم وينفذ أحكامهم ، فيجعلهم متصرفين في الأرض تصرف الملوك في مماليكهم (كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي : من الأمم من بني اسرائيل وغيرهم من كل من حصلت له مكنة وظفر على الأعداء بعد الضعف الشديد كما كتب في الزبور أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ، وكما قال موسى : إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ، وقرأ أبو بكر بضم التاء الفوقية وكسر اللام ، والباقون بفتح التاء واللام (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ) أي : في الباطن والظاهر (دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ) وهو دين الإسلام ، وتمكينه
__________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ٤ / ٢٧٨ ، ٣٧٥ ، والسيوطي في الدر المنثور ٦ / ٣٦٢ ، والمتقي الهندي في كنز العمال ٦٤٧٩ ، ٦٤٨٠ ، والقرطبي في تفسيره ١٠ / ١٠٢ ، وابن كثير في تفسيره ٨ / ٤٤٩ ، والعجلوني في كشف الخفاء ٢ / ٣٩٨.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
