الذي لم يذكر كالنادر ، فكان ملحقا بالعدم ، وقال النقاش : إنه اكتفى بذكر ما يمشي على أربع عن ذكر ما يمشي على أكثر من أربع ؛ لأن جميع الحيوان إنما اعتماده على أربع وهي قوائم مشيه وكثرة الأرجل لبعض الحيوان زيادة في الخلقة لا يحتاج ذلك الحيوان في مشيه إلى جميعها وبأن قوله تعالى : (يَخْلُقُ اللهُ ما يَشاءُ) كالتنبيه على سائر الأقسام فإن قيل : لم جاءت الأجناس الثلاثة على هذا الترتيب؟.
أجيب : بأنه قدم ما هو أعرق في القدرة وهو الماشي بغير آلة مشي من أرجل أو قوائم ، ثم الماشي على رجلين ، ثم الماشي على أربع.
تنبيه : إنما أطلق من على غير العاقل لاختلاطه بالعاقل في المفصل بمن ، وهو كل دابة وكان التعبير بمن أولى ليوافق اللفظ ، ولما كانت هذه الأدلة ناظرة إلى البعث أتم نظر وكانوا منكرين له أكد ذلك بقوله تعالى : (إِنَّ اللهَ) أي : الذي له الكمال المطلق (عَلى كُلِّ شَيْءٍ) من ذلك وغيره (قَدِيرٌ) لأنه القادر على الكل والعالم بالكل ، فهو المطلع على أحوال هذه الحيوانات ، فأي عقل يقف عليها ، وأي خاطر يصل إلى ذرة من أسرارها ؛ بل هو الذي يخلق ما يشاء كيف يشاء ، ولا يمنعه منه مانع.
ولما اتضح بهذا ما لله تعالى من صفات الكمال والتنزه عن كل شائبة نقص وقامت أدلة الوحدانية على ساق واتسقت براهين الألوهية أيّ اتساق ؛ قال تعالى مترجما لتلك الأدلة : (لَقَدْ أَنْزَلْنا) أي : في هذه السورة وما تقدمها بما لنا من العظمة (آياتٍ) أي : مما لنا من الحكم والأحكام والأدلة والأمثال (مُبَيِّناتٍ) للحقائق بأنواع الدلائل التي لا خفاء فيها (وَاللهُ) أي : الملك الأعظم (يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) من عباده (إِلى صِراطٍ) طريق (مُسْتَقِيمٍ) هو دين الإسلام الموصل إلى دار الحق والفوز بالجنة.
ولما ذكر تعالى دلائل التوحيد أتبعه بذم قوم اعترفوا بالدين بألسنتهم ولكنهم لم يفعلوه بقلوبهم ، فقال تعالى : (وَيَقُولُونَ) أي : الذين ذمهم الله تعالى : (آمَنَّا بِاللهِ) أي : الذي أوضح لنا جلاله وعظمته وكماله (وَبِالرَّسُولِ) أي : الذي علمنا كمال رسالته وعمومها بما قام عليها من الأدلة (وَأَطَعْنا) أي : وأوجدنا الطاعة لله ولرسوله ، ثم عظم المخالفة بين الفعل والقول بأداة البعد فقال تعالى : (ثُمَّ يَتَوَلَّى) أي : يرتد بإنكار القلب ، ويعرض عن طاعة الله ورسوله ضلالا منهم عن الحق (فَرِيقٌ مِنْهُمْ) أي : ناس يقصدون الفرقة من هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة (مِنْ بَعْدِ ذلِكَ) أي : القول السديد المؤكد مع الله الذي هو أكبر من كل شيء ، ومع رسوله الذي هو أشرف الخلائق (وَما أُولئِكَ) أي : البعداء البغضاء الذين صاروا بتوليهم في محل البعد (بِالْمُؤْمِنِينَ) أي : المعهودين الموافقة قلوبهم ألسنتهم فإن قيل : إنه تعالى حكى عن كلهم أنهم يقولون : آمنا ، ثم حكى عن فريق منهم التولي ، فكيف يصح أن يقول في جميعهم : (وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) مع أن المتولي فريق؟ أجيب : بأن قوله تعالى : (وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) راجع إلى الذين تولوا لا إلى الجملة الأولى ، ولو رجع إلى الجملة الأولى لصح ، ويكون معنى قوله تعالى : (ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ) أي : يرجع عن هذا الفريق إلى الباقي ، فيظهر بعضهم لبعض الرجوع كما أظهروه بينهم.
ولما فضحهم بما أخفوه من توليهم قبح عليهم ما أظهروه فقال تعالى معبرا بأداة التحقيق : (وَإِذا دُعُوا) أي : الفريق الذين ادّعوا الإيمان من أيّ داع كان (إِلَى اللهِ) أي : إلى ما نصب
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
