ثم نبه سبحانه وتعالى بقوله : (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) على أن الكل منه لأن كل ما سواه ممكن ومحدث ، والممكن والمحدث لا يوجد إلا عند الانتهاء إلى القديم الواجب الوجود ويدخل في هذا جميع الأجرام والأعراض ، وأفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم ، وفي قوله تعالى : (وَإِلَى اللهِ) أي : الذي له الإحاطة بكل شيء (الْمَصِيرُ) دليل على المعاد وأنه لا بد من مصير الكل إليه بعد الفناء. والرؤية في قوله تعالى :
(أَلَمْ تَرَ) نظرية (أَنَّ اللهَ) أي : ذا الجلال والجمال (يُزْجِي سَحاباً) أي : يسوقه برفق بعد أن أنشأه من العدم تارة من السفل وتارة من العلو ضعيفا رقيقا متفرقا ؛ قال أبو حيان : وهو اسم جنس واحده سحابة والمعنى يسوق سحابة إلى سحابة ، وهو معنى قوله تعالى : (ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ) أي : بين أجزائه بعد أن كان قطعا في جهات مختلفة ، فيجعل القطع المتفرقة قطعة واحدة ، (ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً) في غاية العظمة متراكما بعضه على بعض بعد أن كان في غاية الرقة (فَتَرَى) أي : في تلك الحالة المستمرة (الْوَدْقَ) أي : المطر (يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ) أي : من فتوقه التي حدثت بالتراكم وإرهاص بعضه في بعض.
فإن قيل : بين إنما تدخل على مثنى فما فوقه فلم دخلت هنا على مفرد؟ أجيب : بأن المراد بالسحاب الجنس فعاد الضمير على حكمه أو على حذف مضاف أي : بين أجزائه كما مر وبين قطعه فإن كل قطعة سحابة ، وقرأ السوسي فترى في الوصل بالإمالة بخلاف عنه والباقون بالفتح ، وأما في الوقف فأبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة وورش بالإمالة بين بين ، والباقون بالفتح ، (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ) أي : من الغمام وكل ما علا فهو سماء (مِنْ جِبالٍ فِيها) أي : في السماء وهي السحاب الذي صار بعد تراكمه كالجبال وقوله تعالى : (مِنْ بَرَدٍ) بيان للجبال ، والمفعول محذوف أي : ينزل مبتدئا من السماء من جبال فيها من برد بردا ، فمن الأولى : لابتداء الغاية باتفاق ، والثانية : للتبعيض ، والثالثة : للبيان ، ويجوز أن تكون الثانية لابتداء الغاية أيضا ومجرورها بدل من الأولى بإعادة العامل والتقدير وينزل من جبال أي : من جبال فيها فهو بدل اشتمال ، والأخيرة للتبعيض واقع موقع المفعول.
فإن قيل : ما معنى (مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ؟) أجيب : بأن فيه معنيين ؛ أحدهما : أن يخلق الله في السماء جبال برد كما خلق في الأرض جبال حجر وليس في العقل قاطع يمنعه ، الثاني : أن يراد الكثرة بذكر الجبال برد كما يقال : فلان يملك جبالا من ذهب ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون وإخفائها عند الزاي وتخفيف الزاي والباقون بفتح النون وتشديد الزاي ، ثم بيّن تعالى أن ذلك باختياره وإرادته بقوله تعالى : (فَيُصِيبُ بِهِ) أي : بكل من البرد والمطر على وجه النقمة أو الرحمة (مَنْ يَشاءُ) أي من الناس وغيرهم (وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ) صرفه عنه :
فائدة : عن مقطوعة من في الرسم ، ثم نبه تعالى على ما هو غاية في العجب في ذلك مما في الماء من النور الذي ربما نزل منه صاعقة فأحرقت ما لا تحرق النار بقوله تعالى : (يَكادُ) أي يقرب (سَنا) أي ضوء (بَرْقِهِ) وهو اضطراب النور في خلاله (يَذْهَبُ) أي هو ملتبسا (بِالْأَبْصارِ) أي : الناظرة له أي : يخطفها لشدّة لمعانه وتلألئه فتكون قوة البرق دليلا على تكاثف السحاب وبشيرا بقوة المطر ونذيرا بنزول الصواعق ، واعلم أن البرق الذي صفته كذلك لا بد وأن يكون نارا عظيمة خالصة ، والنار ضد الماء والبرد فظهوره يقتضي ظهور الضدّ من الضدّ وذلك لا
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
