لا يصيبها الظل فهي لا تضرها شمس ولا ظل ، والمقنأة بقاف فنون فهمزة وهي بفتح النون وضمها المكان الذي لا تطلع عليه الشمس ، وقول البيضاوي تبعا للزمخشري.
وفي الحديث : «لا خير في شجرة مقنأة ولا في نبات في مقنأة ، ولا خير فيهما في مضحى» (١) قال ابن حجر العسقلاني : لم أجده ، وقيل : معناه أنها معتدلة ليست في شرق يصيبها الحر ، ولا في غرب يضرها البرد ، وقيل : معناه هي شامية لأن الشام وسط الأرض لا شرقي ولا غربي ، وقيل : ليست هذه الشجرة من أشجار الدنيا لأنها لو كانت في الدنيا لكانت شرقية أو غربية ، وإنما هو مثل ضربه الله تعالى لنوره (يَكادُ زَيْتُها) أي : من صفائه (يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ) أي : يكاد يتلألأ ويضيء بنفسه من غير نار (نُورٌ عَلى نُورٍ) أي : نور المصباح على نور الزجاجة.
تنبيه : اختلف أهل العلم في معنى هذا التمثيل فقال بعضهم : وقع التمثيل لنور محمد صلىاللهعليهوسلم قال ابن عباس لكعب الأحبار : أخبرني عن قوله تعالى : (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ) قال كعب : هذا مثل ضربه الله لنبيه صلىاللهعليهوسلم فالمشكاة صدره والزجاجة قلبه والمصباح فيه النبوة تتوقد من شجرة مباركة هي شجرة النبوة يكاد نور محمد صلىاللهعليهوسلم وأمره يتبين للناس ، ولو لم يتكلم أنه نبي كما يكاد ذلك الزيت يضيء ، ولو لم تمسسه نار.
وروى سالم عن عمر في هذه الآية قال : المشكاة جوف النبي صلىاللهعليهوسلم ، والزجاجة قلبه ، والمصباح النور الذي جعله الله تعالى فيه ، لا شرقية ولا غربية لا يهودي ولا نصراني ، توقد من شجرة مباركة إبراهيم ، نور على نور نور قلب إبراهيم ونور قلب محمد صلّى الله عليهما وسلّم ، وقال محمد بن كعب القرظي : المشكاة إبراهيم والزجاجة إسماعيل عليهماالسلام ، والمصباح محمد صلىاللهعليهوسلم سماه الله تعالى مصباحا كما سماه سراجا ، فقال تعالى : (وَسِراجاً مُنِيراً) [الأحزاب ، ٤٦] توقد من شجرة مباركة ، وهي إبراهيم سماه مباركا ؛ لأن أكثر الأنبياء من صلبه ، لا شرقية ولا غربية يعني إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما لأن اليهود تصلي قبل المغرب والنصارى قبل المشرق ، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار تكاد محاسن محمد صلىاللهعليهوسلم تظهر للناس قبل أن يوحى إليه ، نور على نور نبي من نسل نبي نور محمد على نور إبراهيم عليهماالسلام ، وقال بعضهم : وقع هذا التمثيل لنور قلب المؤمن ، روى أبو العالية عن أبيّ بن كعب قال : هذا مثل المؤمن فالمشكاة نفسه والزجاجة صدره ، والمصباح ما جعل الله من الإيمان والقرآن في قلبه توقد من شجرة مباركة وهي الإخلاص لله وحده ، فمثله كمثل شجرة التف بها الشجر فهي خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس لا إذا طلعت ولا إذا غربت ، فكذلك المؤمن قد احترس من أن يصيبه شيء من الفتن ، فهو بين أربع خلال ؛ إن أعطي شكر ، وإن ابتلي صبر ، وإن حكم عدل ، وإن قال صدق ، يكاد زيتها يضيء ؛ أي : يكاد قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن يبين له لموافقته إياه ، نور على نور ؛ قال أبيّ : أي : فهو يتقلب في خمسة أنوار قوله نور وعمله نور ومدخله نور ومخرجه نور ومصيره إلى النور يوم القيامة ؛ قال ابن عباس : هذا مثل نور الله وهداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار ، فإذا مسته النار ازداد ضوءا على ضوء كذلك يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم ، فإذا جاء العلم ازداد هدى على هدى ، ونورا على نور ، وقال
__________________
(١) أخرجه ابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ١ / ٢٠٣.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
