كان في ناحية الكوفة ، وكان الشعبيّ يحلف بالله ما فار التنور إلا من ناحية الكوفة ، وقال : اتخذ نوح السفينة في جوف مسجد الكوفة ، وكان التنور على يمين الداخل مما يلي باب كندة ، وكان فوران الماء منه علما لنوح. وقال مقاتل : كان تنور آدم عليهالسلام وكان بالشأم بموضع يقال له عين وردة. وروي عن ابن عباس أنه كان بالهند ، ومعنى فار نبع على قوّة وشدّة تشبيها بغليان القدر عند قوّة النار ، ولا شبهة أنّ التنور لا يفور.
والمراد : فار الماء من التنور فلما فار أمر الله تعالى نوحا عليهالسلام أن يحمل في السفينة ثلاثة أنواع من الأشياء : الأول : قوله تعالى : (قُلْنَا احْمِلْ فِيها) أي : السفينة (مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) والزوجان عبارة عن كل شيئين يكون أحدهما ذكرا والآخر أنثى ، والتقدير : من كل شيئين هما كذلك ، فاحمل منهما في السفينة اثنين واحد ذكر وواحد أنثى. وفي القصة أنّ نوحا عليهالسلام قال : يا رب كيف أحمل من كل زوجين اثنين ، فحشر الله تعالى إليه السباع والطير ، فجعل يضرب بيديه في كل جنس فيقع الذكر في يده اليمنى والأنثى في يده اليسرى ، فيحملهما في السفينة. وقرأ حفص بتنوين لام كل ، أي : واحمل من كل شيء زوجين اثنين : الذكر زوج والأنثى زوج. فإن قيل : ما الفائدة في قوله : (زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) والزوجان لا يكونان إلا اثنين؟ أجيب : بأنّ هذا على مثال قوله تعالى : (لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ) [النحل ، ٥١]. وقوله تعالى : (نَفْخَةٌ واحِدَةٌ) [الحاقة ، ١٣] والباقون بغير تنوين فهذا السؤال غير وارد.
النوع الثاني من الأشياء التي أمر الله تعالى نوحا عليهالسلام أن يحملها في السفينة قوله تعالى : (وَأَهْلَكَ) وهم أبناؤه وزوجته. وقوله تعالى : (إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) بأنه من المغرقين وهو ابنه كنعان وأمّه راعلة وكانا كافرين حكم الله تعالى عليهما بالهلاك بخلاف سام وحام ويافث وزوجاتهم ثلاثة وزوجته المسلمة.
فإن قيل : الإنسان أشرف من سائر الحيوانات فلم بدأ بالحيوان؟ أجيب : بأنّ الإنسان عاقل فهو لعقله مضطر إلى دفع أسباب الهلاك عن نفسه فلا حاجة فيه إلى المبالغة في الترغيب بخلاف السعي في تخليص سائر الحيوانات فلهذا السبب وقع الابتداء به.
النوع الثالث من الأشياء التي أمر الله تعالى نوحا عليهالسلام بحملها في السفينة قوله تعالى : (وَمَنْ آمَنَ) أي : واحمل معك من آمن معك من قومك ، واختلف في العدد الذي ذكره الله تعالى في قوله تعالى : (وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) فقال قتادة وابن جريج : لم يكن معه في السفينة إلا ثمانية نفر نوح وامرأته المسلمة وثلاثة بنين له هم : سام وحام ويافث ونساؤهم. وقال ابن إسحاق : كانوا عشرة سوى نسائهم نوح وبنوه الثلاثة وستة أناس ممن كان آمن به وأزواجهم جميعا. وقال مجاهد : كانوا اثنين وسبعين نفرا رجلا وامرأة. وعن ابن عباس قال : كان في سفينة نوح ثمانون نصفهم رجال ونصفهم نساء. وقال الطبري : والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله تعالى : (وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) فوصفهم بالقلة فلم يحد عددا بمقدار فلا ينبغي أن يجاوز في ذلك حد الله تعالى ، إذ لم يرد عدد في كتاب الله تعالى ، ولا في خبر صحيح عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم وتقدّم نحو ذلك عن الرازي. وقال مقاتل : حمل نوح معه في السفينة جسد آدم عليهالسلام فجعله معترضا بين الرجال والنساء وقصد نوح عليهالسلام جميع الدواب والطير ليحملها. قال ابن عباس أوّل ما حمل نوح الدرّة ، وآخر ما حمل الحمار ، فلما دخل الحمار أدخل صدره وتعلق إبليس بذنبه فلم
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
