القيامة ، وقيل : قاله نمروذ بن كوش بن حام بن نوح ، وروي أنّ نمروذ وقومه حين هموا بإحراقه حبسوه في بيت ، ثم بنوا عليه بيتا كالحظيرة بقرية يقال لها كوثى ، ثم جمعوا له أصلاب الحطب من أصناف الخشب مدّة شهر حتى كان الرجل يمرض ، فيقول : لئن عوفيت لأجمعنّ حطبا لإبراهيم ، وكانت المرأة تغزل وتشتري بغزلها الحطب احتسابا في دينها ، وكان الرجل يوصي بشراء الحطب وإلقائه فيه ، فلما جمعوا ما أرادوا وأشعلوا في كل ناحية من الحطب نارا ، فاشتعلت النار ، واشتدت حتى كان الطير يمرّ بها ، فيحترق من شدّة وهجها وحرّها ، وأوقدوا عليه سبعة أيام ، فلما أرادوا أن يلقوا إبراهيم لم يعلموا كيف يلقوه ، فجاءهم إبليس عليه اللعنة ، فعلّمهم عمل المنجنيق فعملوا ثم عمدوا إلى إبراهيم فقيدوه ورفعوه على رأس البنيان ووضعوه في المنجنيق مقيدا مغلولا ، فصاحت السماء والأرض ، ومن فيهما من الملائكة وجميع الخلق إلا الثقلين صيحة واحدة ربنا خليلك يلقى في النار وليس في أرضك من يعبدك غيره فأذن لنا في نصرته ، فقال عزوجل : إنه خليلي وليس لي خليل غيره وأنا إلهه ليس له إله غيري ، فإن استغاث بأحد منكم أو دعاه فلينصره ، فقد أذنت له في ذلك ، وإن لم يدع أحدا غيري فأنا أعلم به وأنا وليه ، فخلوا بيني وبينه ، فلما أرادوا إلقاءه في النار أتاه خازن المياه ، فقال : إن أردت أخمدت النار وأتاه خازن الرياح ، فقال : إن شئت طيرت النار في الهواء ، فقال إبراهيم : لا حاجة لي إليكم حسبي الله ونعم الوكيل ، وروي عن كعب الأحبار أن إبراهيم قال حين أوثقوه ليلقوه في النار لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك ، ثم رموا به في المنجنيق إلى النار ، فاستقبله جبريل ، فقال : يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال : أما إليك فلا ، فقال جبريل : فاسأل ربك ، فقال إبراهيم : حسبي من سؤالي علمه بحالي. وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : (وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) [آل عمران ، ١٧٣] قالها إبراهيم : حين ألقي في النار وقالها أصحاب محمد صلىاللهعليهوسلم حين قال لهم الناس : (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ) [آل عمران ، ١٧٣] ؛ قال كعب الأحبار جعل كل شيء يطفىء النار عنه إلا الوزغ ، فإنه كان ينفخ في النار ، وعن أمّ شريك أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم أمر بقتل الأوزاغ ، وقال : «كان ينفخ على إبراهيم» (١).
ولما أراد الله تعالى الذي له القوّة جميعا سلامته منها قال تعالى : (قُلْنا يا نارُ كُونِي) بإرادتنا التي لا يتخلف عنها مراد (بَرْداً) قال ابن عباس : لو لم يقل : (وَسَلاماً) لمات إبراهيم من بردها ، وفي الآثار أنه لم يبق يومئذ نار في الأرض إلا طفئت ، فلم ينتفع في ذلك اليوم بنار في العالم ، ولو لم يقل تعالى : (عَلى إِبْراهِيمَ) لبقيت ذات برد أبدا ، والمعنى كوني ذات برد وسلام على إبراهيم ، فبولغ في ذلك حتى كان ذاتها برد وسلام ، والمراد : ابردي فيسلم منك إبراهيم أو ابردي بردا غير ضارّ ، قال السدّي : فأخذت الملائكة بضبعي إبراهيم فأقعدوه على الأرض ، فإذا بعين ماء عذب وورد أحمر ، ونرجس قال كعب : ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه ، قالوا : وكان إبراهيم في ذلك الموضع سبعة أيام قال المنهال بن عمرو قال إبراهيم : ما كنت أياما قط أنعم مني في الأيام التي كنت في النار ، وقال ابن يسار : وبعث الله تعالى ملك الظل في صورة إبراهيم فقعد فيها إلى جنب إبراهيم يؤنسه قال وبعث الله تعالى جبريل بقميص من حرير الجنة وطنفسة ،
__________________
(١) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء حديث ٣٣٥٩.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
