أمكنت عنهم القدرة وإلا فلا ، فأراهم عجزهم عن النطق وفي ضمنه أنا فعلت ذلك. روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ثنتين منهن في ذات الله قوله إني سقيم وقوله : بل فعله كبيرهم هذا ، وقوله لسارة : هذه أختي» (١) ، وقال في حديث الشفاعة ، ويذكر كذباته أي : إنه لم يتكلم بكلمات صورتها صورة الكذب وإن كان حقا في الباطن إلا هذه الكلمات ، وقيل في قوله : إي سقيم أي : سأسقم ، وقيل سقيم القلب أي : مغتم بضلالتكم ، وقوله لسارة هذه أختي أي : في الدين وقوله بل فعله كبيرهم هذا ؛ روي عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله بل فعله ويقول : معناه بل فعله من فعله ، وقوله : كبيرهم هذا مبتدأ وخبر قال البغوي : وهذه التأويلات لنفي الكذب ، والأولى هو الأول للحديث فيه ، ويجوز أن يكون الله تعالى قد أذن له في ذلك لقصد الصلاح وتوبيخهم والاحتجاج عليهم كما أذن ليوسف حتى نادى مناديه فقال : (أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ) [يوسف ، ٧٠] ولم يكونوا سرقوا ، وقال الرازي : الحديث محمول على المعاريض ، فإن فيها مندوحة عن الكذب ، أي : تسمية المعاريض كذبا لما أشبهت صورتها صورته ، وقرأ ابن كثير والكسائي بفتح السين وترك الهمزة ، وكذا يفعل حمزة في الوقف والباقون بسكون السين وبعدها همزة مفتوحة ، وقيل : الوقف على بل فعله ، ثم يبتدىء بقوله : كبيرهم هذا.
ولما اضطرّهم الدليل أن يحققوا أنهم على محض الباطل (فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ) بالتفكر (فَقالُوا) أي : بعضهم لبعض (إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) لكونكم وضعتم العبادة في غير موضعها إلا إبراهيم ، فإنه أصاب بإهانتها.
(ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ) أي : انقلبوا غير مستحبين مما يلزمهم من الإقرار بالسفه إلى المجادلة له بعدما استقاموا بالمراجعة من قولهم نكس المريض إذا عاد إلى حاله الأول ، شبّه عودهم إلى الباطل بصورة جعل أسفل الشيء مستعليا على أعلاه ، ثم إنهم قالوا في مجادلتهم عن شركائهم والله (لَقَدْ عَلِمْتَ) يا إبراهيم (ما هؤُلاءِ) لا صحيحهم ولا جريحهم (يَنْطِقُونَ) أي : فكيف تأمرنا بسؤالهم؟
ولما تسبب عن قولهم هذا إقرارهم بأنهم لا فائدة فيهم اتجه لإبراهيم الحجة عليهم. (قالَ) منكرا عليهم موبخا لهم (أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) أي : بدله (ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً) من رزق وغيره لترجوه (وَلا يَضُرُّكُمْ) شيئا إذا لم تعبدوه لتخافوه.
(أُفٍ) أي : تبا وقبحا (لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) أي : غيره ، وقرأ نافع وحفص بتنوين الفاء مكسورة وابن كثير وابن عامر بفتح الفاء من غير تنوين والباقون بكسر الفاء من غير تنوين ، ولما تسبب عن فعلهم هذا وضوح أنه لا يقربه عاقل ، أنكر عليهم ووبخهم بقوله : (أَفَلا تَعْقِلُونَ) قبح صنيعكم وأنتم شيوخ قد مرّت بكم الدهور وحنكتكم التجارب.
ولما دحضت حجتهم وبان عجزهم ، وظهر الحق واندفع الباطل (قالُوا) عادلين إلى العناد ، واستعمال القوّة الحسية (حَرِّقُوهُ) بالنار لتكونوا قد فعلتم فيه فعلا أعظم مما فعل بآلهتكم (وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ) التي جعلها جذاذا (إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) نصرتها قال ابن عمر : إنّ الذي قال هذا رجل من الأكراد قيل : اسمه هيتون ، فخسف الله تعالى به الأرض ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم
__________________
(١) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء حديث ٣٣٥٨ ، ومسلم في الفضائل حديث ٢٣٧١.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
