شيء وجادّون في نصرة مذهبهم ومجادلون أهل الحق عن باطلهم وكفى أهل التقليد مسبة أن عبدة الأصنام منهم والتقليد إن جاز فإنما يجوز لمن علم في الجملة أنه على حق.
ولذا (قالَ) إبراهيم (لَقَدْ كُنْتُمْ) وأكده بقوله : (أَنْتُمْ) لأجل صحة العطف لأن الضمير المرفوع المتصل حكمه حكم جزء الفعل والعطف على ضمير هو في حكم بعض الفعل ممتنع ونحوه : (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) [البقرة ، ٣٥] ، (وَآباؤُكُمْ) أي : من قبلكم (فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) فبين أن المقلّدين والمقلّدين جميعا منخرطون في سلك ضلال لا يخفى على من به أدنى مسكة لاستناد الفريقين إلى غير دليل بل إلى هوى متبع وشيطان مطاع لاستبعادهم أن يكون ما هم عليه ضلالا بقوا متعجبين من تضليله إياهم.
فلذا (قالُوا) ظنا منهم أنه لم يقل لهم ذلك على ظاهره (أَجِئْتَنا) في هذا الكلام (بِالْحَقِ) الذي يطابقه الواقع (أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ) أي : تقوله على وجه المزاح والملاعبة لا على وجه الجد.
(قالَ) بانيا على ما تقديره ليس كلامي لعبا بل هو جد وهذه التماثيل ليست أربابا (بَلْ رَبُّكُمْ) أي : الذي يستحق منكم اختصاصه بالعبادة (رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي : مدبرهنّ القائم بمصالحهنّ (الَّذِي فَطَرَهُنَ) أي : خلقهنّ على غير مثال سبق وأنتم وتماثيلكم بما فيهما من مصنوعاته أنتم تشهدون بذلك إذا رجعتم إلى عقولكم مجرّدة عن الهوى وقيل : الضمير في فطرهنّ للتماثيل قال الزمخشري : وكونه للتماثيل أدخل في تضليلهم وأثبت للاحتجاج عليهم (وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ) أي : الأمر البين من أنه ربكم وحده فلا تجوز عبادة غيره (مِنَ الشَّاهِدِينَ) أي : الذين يقدرون على إقامة الدليل على ما يشهدون به لم يشهدوا إلا على ما هو عندهم مثل الشمس لا كما فعلتم أنتم حين اضطرّكم السؤال إلى الضلال.
ولما أقام البرهان على إثبات الإله الحق أتبعه البرهان على إبطال الباطل بقوله : (وَتَاللهِ) وهو قسم والأصل في القسم الباء الموحدة والواو بدل منها والتاء بدل من الواو وفيها مع كونها بدلا زيادة على التأكيد التعجب (لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ) أي : لأجتهدنّ في كسرها والتأكيد وما في التاء من التعجب من تسهيل الكيد على يده وتأتيه لأنّ ذلك كان أمرا مقنوطا منه لصعوبته وتعذره ولعمري إنّ مثله صعب متعذر في كل زمان خصوصا في زمن نمروذ مع عتّوه واستكباره وقوّة سلطانه وتهالكه على نصرة دينه ، ولكن (١) :
إذا الله سنى عقد شيء تيسرا
ولما كان عزمه على إيقاع الكيد في جميع الزمان الذي يقع فيه توليهم في أي جزء تيسر له منه أسقط الجار فقال : (بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) أي : بعد أن تدبروا منطلقين إلى عيدكم قال مجاهد وقتادة : إنما قال إبراهيم هذا سرا من قومه ولم يسمع ذلك إلا رجل واحد فأفشاه عليه وقال : (إنا)
__________________
(١) البيت بتمامه :
|
فلا تيأسا واستغورا الله إنّه |
|
إذا الله سنى عقد شيء تيسّرا |
والبيت من الطويل ، وهو بلا نسبة في لسان العرب (غور) ، (سنا) ، وتهذيب اللغة ١٣ / ٧٨ ، وأساس البلاغة (سنو) ، (غور) ، وتاج العروس (غور) ، (سنا).
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
