السّلام تسلية لرسوله صلىاللهعليهوسلم فيما يناله من قومه وتقوية لقلبه على أداء الرسالة والصبر على كل عارض وذكر منها عشرا :
القصة الأولى : قصة موسى المذكورة في قوله تعالى : (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ) أي : أخاه الذي سأل ربه أن يشدّ أزره به (الْفُرْقانَ) أي : التوراة الفارقة بين الحق والباطل وبين الحلال والحرام (وَضِياءً) بهاء لا ظلام معه أي : ليستضاء بها في ظلمات الحيرة والجهل وقرأ قنبل بعد الضاد بهمزة مفتوحة ممدودة والباقون بياء بعدها ألف (وَذِكْراً) أي : عظة (لِلْمُتَّقِينَ) أو ذكر ما يحتاجون إليه من الشرائع وقيل : الفرقان النصر ، وقيل : فلق البحر ويراد بالضياء على هذين التوراة.
ثم بيّن المتقين بوصفهم بقوله تعالى : (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ) أي : يخافون خوفا عظيما (رَبَّهُمْ) أي : المحسن إليهم بعد الإيجاد بالتربية وأنواع الإحسان (بِالْغَيْبِ) عن الناس أي : في الخلاء عنهم أو بالغيب قبل أن يكشف لهم الحجاب في الجنة (وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ) التي توضع فيها الموازين وقد أعرض عنها الجاهلون مع كونها أعظم حامل على كل خير ومباعد عن كل ضير (مُشْفِقُونَ) أي : خائفون لأنهم لقيامها متحققون ولنصب الموازين فيها عالمون.
ولما ذكر تعالى فرقان موسى وكان العرب يشاهدون تمسك اليهود به حثهم على كتابهم هو أشرف منه بقوله تعالى : (وَهذا) أي : القرآن وأشار إليه بأداة القرب إيماء إلى سهولة تناوله عليهم (ذِكْرٌ) أي : موعظة (مُبارَكٌ) أي : كثير خيره (أَنْزَلْناهُ) على أشرف الرسل محمد صلىاللهعليهوسلم وقوله تعالى : (أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) أي : جاحدون استفهام توبيخ.
القصة الثانية : قصة إبراهيم المذكورة في قوله تعالى : (وَلَقَدْ آتَيْنا) بما لنا من العظمة (إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ) أي : صلاحه وهداه (مِنْ قَبْلُ) أي : من قبل موسى وهارون ومحمد صلّى الله وسلّم عليهم وقيل : من قبل استنبائه أو بلوغه حيث قال : إني وجهّت وجهي (وَكُنَّا بِهِ) ظاهرا وباطنا (عالِمِينَ) بأنه أهل لما آتيناه لأنه جبلة خير جامع لمحاسن الأوصاف ومكارم الأخلاق والخصال يدوم على الرشد ويترقى فيه إلى أعلى درجاته لما طبعناه عليه ، وفي ذلك إشارة إلى أنه فعله تعالى باختيار وحكمة وأنه عالم بالجزئيات.
وتعليق (إِذْ قالَ) أي : إبراهيم (لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ) بعالمين إشارة إلى أن قوله لما كان بإذن منا ورضا لنا نصرناه وهو وحده على قومه كلهم ، ولو لم يكن يرضينا لمنعناه منه بنصر قومه عليه وتمكين النار منه ، ثم ذكر مقول القول في قوله : منكرا عليهم محقرا لأصنامهم (ما هذِهِ التَّماثِيلُ) أي : الصور التي صنعتموها مماثلين بها ما فيه روح الله جاعلين لها ما لا يكون إلا لمن لا مثل له وهي الأصنام (الَّتِي أَنْتُمْ لَها) أي : لأجلها وحدها مع كثرة ما يشابهها وما هو أفضل منها (عاكِفُونَ) أي : مقيمون على عبادتها فإن قيل : هلا قال عليها عاكفون ، كقوله تعالى : (يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ) [الأعراف ، ١٣٨] أجيب : بأن اللام للاختصاص لا للتعدية ، ولو قصد التعدية لعدّاه بصلته التي هي على.
ثم إنه تعالى ذكر جوابهم له بما لزم الاستفهام عن السؤال بأنهم (قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ) فاقتدينا بهم لا حجة لنا غير ذلك فانظر ما أقبح التقليد وما أعظم كيد الشيطان للمقلدين حتى استدرجهم إلى أن قلدوا آباءهم في عبادة التماثيل وعفروا لها جباههم وهم معتقدون أنهم على
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
