الصلوات والزكوات وغيرها (فَأُولئِكَ) العالو الهمم الطاهر والشيم (يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ) التي وعد المتقون (وَلا يُظْلَمُونَ) من ظالم ما (شَيْئاً) من أعمالهم. فإن قيل : الاستثناء دل على أنه لا بدّ من التوبة والإيمان والعمل الصالح وليس الأمر كذلك لأنّ من تاب عن كفره ولم يدخل وقت الصلاة أو كانت المرأة حائضا فإنه لا يجب عليهم الصلاة والزكاة أيضا غير واجبة وكذلك الصوم فهذا لو مات في ذلك الوقت كان من أهل النجاة مع أنه لم يصدر منه عمل فلم يجز توقف الأجر على العمل الصالح؟ أجيب بأنّ هذه الصورة نادرة والأحكام إنما تناط بالأعمّ الأغلب.
تنبيه : في هذا الاستثناء وجهان : قال ابن عادل أظهرهما : أنه متصل وقال الزجاج : هو منقطع وهذا بناء منه على أنّ المضيع للصلاة من الكفار ووافق الزجاج الجلال المحلي.
ولما ذكر تعالى في التائب أنه يدخل الجنة وصفها بأمور أحدها قوله تعالى : (جَنَّاتِ عَدْنٍ) أي : إقامة لا يظعن عنها بوجه من الوجوه وصفها بالدوام على خلاف وصف الجنان في الدنيا التي لا تدوم ثم بيّن تعالى أنها (الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ) الذين هو أرحم بهم وقوله (بِالْغَيْبِ) فيه وجهان ؛ أحدهما : أنّ الباء حالية وفي صاحب الحال احتمالان ؛ أحدهما : ضمير الجنة وهو عائد الموصول أي : وعدها وهي غائبة عنهم لا يشاهدونها ، والثاني : عباده أي : وهم غائبون عنها لا يرونها إنما آمنوا بها بمجرّد الإخبار منه. والوجه الثاني : أنّ الباء سببية أي : بسبب تصديق الغيب وسبب الإيمان به ولما كان من شأن الوعود الغائبة على ما يتعارفه الناس بينهم احتمال عدم الوقوع بيّن أنّ وعده ليس كذلك بقوله تعالى : (إِنَّهُ كانَ) أي : كونا هو سنة ماضية (وَعْدُهُ مَأْتِيًّا) أي : مقصودا بالفعل فلا بدّ من وقوعه فهو كقوله : (إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً) [الإسراء ، ١٠٨] ثانيها قوله تعالى : (لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً) وهو فضول الكلام وما لا طائل تحته وفيه تنبيه ظاهر على تجنب اللغو واتقائه حيث نزه الله تعالى عنه الدار الآخرة التي لا تكليف فيها ، وقد مدح الله تعالى أقواما بقوله : (وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً) [الفرقان ، ٧٢](وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ) [القصص ، ٥٥] نعوذ بالله من اللغو والجهل والخوض فيما لا يعنينا وقوله تعالى : (إِلَّا سَلاماً) استثناء منقطع أي : ولكن يسمعون قولا يسلمون فيه من العيب والنقيصة أو سلاما من الله أو من الملائكة أو من بعضهم على بعض ويجوز أن يراد باللغو مطلق الكلام قال في القاموس : لغا لغوا تكلم ، فيكون الاستثناء متصلا أي : لا يسمعون فيها كلاما إلا كلاما يدل على السلامة أو سلاما من الله أو من الملائكة أو من بعضهم على بعض.
ثالثها : قوله تعالى : (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها) أي : على ما يتمنونه ويشتهونه على وجه لا بدّ من إتيانه ولا كلفة عليهم فيه ولا منة عليهم به (بُكْرَةً وَعَشِيًّا) أي : على قدرهما في الدنيا وليس في الجنة نهار ولا ليل بل ضوء ونور أبدا وقيل : إنهم يعرفون النهار برفع الحجب والليل بإرخائها ، فإن قيل : المقصود من هذه الآيات وصف الجنة بأحوال مستعظمة ووصول الرزق إليهم بكرة وعشيا ليس من الأمور المستعظمة أجيب بوجهين : الأوّل : قال الحسن : أراد الله تعالى أن يرغب كل قوم بما أحبوه في الدنيا فلذلك ذكر أساور الذهب والفضة ولبس الحرير التي كانت عادة العجم والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرّة وكانت عادة أشراف اليمن ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء فوعدهم بذلك. الثاني : أنّ المراد دوام الرزق تقول أنا عند فلان صباحا ومساء وبكرة وعشيا تريد الدوام ولا تقصد الوقتين المعلومين ، وقيل : المراد رفاهية العيش
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
