اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المتكبرين عن أمرك ، وإذا قرأ سجدة سبحان قال : اللهم اجعلني من الباكين إليك الآسفين لك ، وإن قرأ هذه قال : اللهمّ اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهتدين الباكين عند تلاوة آيات كتابك وقرأ حمزة والكسائي (بُكِيًّا) بكسر الباء والباقون بضمها.
ولما وصف سبحانه وتعالى هؤلاء الأنبياء بصفة المدح ترغيبا لنا في التأسي بهم ذكر بعدهم من هو بالضدّ منهم فقال : (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ) أي : في بعض الزمان الذي بعد هؤلاء الأصفياء سريعا (خَلْفٌ) في غاية الرداءة من أولادهم يقال : خلفه إذا عقبه خلف سوء بإسكان اللام والخلف بفتح اللام الصالح كما قالوا : وعد في ضمان الخير ووعيد في ضمان الشر وفي الحديث : «في الله خلف من كل هالك» (١) وفي الشعر (٢) :
|
ذهب الذي يعاش في أكنافهم |
|
وبقيت في خلف كجلد الأجرب |
وقال السدي : أراد بهم اليهود ومن لحق بهم وقال قتادة : في (أَضاعُوا الصَّلاةَ) تركوا الصلاة المفروضة ، وقال ابن مسعود وإبراهيم : أخروها عن وقتها ، وقال سعيد بن المسيب : هو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر ولا يصلي العصر حتى تغرب الشمس. (وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ) أي : المعاصي قال ابن عباس : هم اليهود تركوا الصلاة المفروضة وشربوا الخمور واستحلوا نكاح الأخت من الأب ، وقال مجاهد : هؤلاء قوم يظهرون في آخر الزمان ينزو بعضهم على بعض في الأسواق والأزقة (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) وهو كما قال وهب وابن عباس : واد في جهنم بعيد قعره تستعيذ منه أوديتها كما رواه الحاكم وصححه ، وقيل : هو الخسران ، وقيل : هو الشر كقول القائل (٣) :
|
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره |
|
ومن يغو لا يعدم على الغيّ لائما |
على الغيّ متعلق بلائما وقيل : يلقون جزاء الغي كقوله (يَلْقَ أَثاماً) [الفرقان ، ٦٨] أي : مجازاة الآثام.
تنبيه : قوله تعالى : (يَلْقَوْنَ) ليس معناه يرون فقط بل معناه الاجتماع والملابسة مع الرؤية.
ولما أخبر تعالى عن هؤلاء بالخيبة فتح لهم باب التوبة وحداهم إلى غسل هذه الحوبة بقوله : (إِلَّا مَنْ تابَ) أي : مما هو عليه من الضلال وبادر بالأعمال وحافظ على الصلوات وكف نفسه عن الشهوات (وَآمَنَ) بما أخذ عليه به العهد (وَعَمِلَ) بعد إيمانه تصديقا له (صالِحاً) من
__________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٣ / ٦٠ ، وأخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٥ / ١١٤ ، بلفظ : «إن في الله عزاء من كل مصيبة».
(٢) البيت من الكامل ، وهو للبيد بن ربيعة في ديوانه ص ١٥٣ ، ١٥٧ ؛ ولسان العرب (شلخ) ، (خلف) ، وكتاب العين ٤ / ٢٦٦ ، والمخصص ١٢ / ١٥٧ ، وتاج العروس (شلخ) ، (خلف) ، وتهذيب اللغة ٧ / ٨٤ ، وجمهرة اللغة ص ٦١٥ ، وإصلاح المنطق ص ١٣ ، ٦٦ ، والبيان والتبيين ١ / ٢٦٧ ، والكامل ص ١٣٩٤ ، والأغاني ١٧ / ٧١ ، وأمالي القالي ١ / ١٥٨.
(٣) البيت من الطويل ، وهو للمرقش الأصغر في ديوانه ص ٥٦٥ ، ولسان العرب (غوى) ، وشرح اختيارات المفضل ص ١١٠٤ ، وتاج العروس (غوي) ، وبلا نسبة في كتاب العين ٢ / ٢٣٨ ، ومقاييس اللغة ٤ / ١٩٢ ، ٣٩٩ ، والمخصص ٦ / ١٧٠ ، ١٣ / ٧٦.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
