(مُسْتَقِيمٌ) أي : يقود إلى الجنة وقرأ قنبل بالسين وخلف بإشمام الصاد والباقون بالصاد الخالصة.
واختلف في قوله تعالى : (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ) فقيل : هم النصارى واختلافهم في عيسى أهو ابن الله أو إله معه أو ثالث ثلاثة وسموا أحزابا لأنهم تحزبوا ثلاث فرق في أمر عيسى النسطورية والملكانية واليعقوبية ، وقيل : هم اليهود والنصارى فجعله بعضهم ولدا وبعضهم كذابا ، وقيل : هم الكفار الشامل لليهود والنصارى وغيرهم من الذين كانوا في عهد النبيّ صلىاللهعليهوسلم قال ابن عادل : وهذا هو الظاهر لأنه لا تخصيص فيه ويؤيده قوله تعالى : (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) أي : شدّة عذاب لهم (مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) أي : حضور يوم القيامة وأهواله.
وقوله تعالى : (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ) أي : بهم ، صيغتا تعجب بمعنى ما أسمعهم وما أبصرهم (يَوْمَ يَأْتُونَنا) في الآخرة لأنّ حالهم في شدّة السمع والبصر جديرة بأن يتعجب منها فيندمون حيث لا ينفعهم الندم ويتمنون المحال من الرجوع إلى الدنيا ليتداركوا فلا يجابون إلى ذلك بل يسلك بهم في كل ما يؤذيهم ويهلكهم ويرديهم وقوله تعالى : (لكِنِ الظَّالِمُونَ) من إقامة الظاهر مقام المضمر إشعارا بأنهم ظلموا أنفسهم حيث أغفلوا الاستماع والنظر والأصل ولكنهم (الْيَوْمَ) أي : في الدنيا (فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي : بين بذلك الضلال صموا عن سماع الحق وعموا عن إبصاره أي : اعجب منهم يا مخاطب في سمعهم وإبصارهم في الآخرة بعد أن كانوا في الدنيا صما وعميا ، وقيل : معناه التهديد بما سيسمعونه وسيبصرون ما يسوءهم ويصدع قلوبهم.
ثم إنّ الله تعالى أمر نبيه محمدا صلىاللهعليهوسلم أن ينذر قومه بقوله : (وَأَنْذِرْهُمْ) أي : خوّفهم (يَوْمَ الْحَسْرَةِ) هو يوم القيامة يتحسر فيه المسيء على ترك الإحسان والمحسن على عدم الازدياد من الإحسان لقول رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «ما من أحد يموت إلا ندم» قالوا : وما ندمه يا رسول الله؟ قال : «إن كان محسنا ندم أن لا يكون ازداد وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون نزع» (١) وفي قوله تعالى : (إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ) وجوه :
أحدها : إذ قضي الأمر ببيان الدلائل وشرح أمر الثواب والعقاب.
ثانيها : إذ قضي الأمر يوم الحسرة بفناء الدنيا وزوال التكليف.
ثالثها : قضي الأمر فرغ من الحساب وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار وذبح الموت كما روي أنّ النبيّ صلىاللهعليهوسلم سئل عن قوله تعالى : (إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ) فقال : «حين يجاء بالموت على صورة كبش أملح فيذبح والفريقان ينظران فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرح وأهل النار غما إلى غم» (٢) وقوله تعالى : (وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) جملتان حاليتان وفيهما قولان : أحدهما : أنهما حالان من الضمير المستتر في قوله : (فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي : استقرّوا في ضلال مبين على هاتين الحالتين السيئتين ، والثاني : أنهما حالان من مفعول (أَنْذِرْهُمْ) أي : أنذرهم على هذه الحالة وما بعدها وعلى الأوّل يكون قوله : (وَأَنْذِرْهُمْ) اعتراضا والمعنى : وهم في غفلة عما يفعل بهم في الآخرة وهم لا يصدّقون بذلك اليوم ولما كان الإرث هو حوز الشيء بعد موت أهله وكان
__________________
(١) أخرجه الترمذي في الزهد حديث ٢٤٠٣ ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ١ / ٢٣٠ ، والمتقي الهندي في كنز العمال ٤٢٧١٦ ، والمنذري في الترغيب والترهيب ٤ / ٢٥٣.
(٢) أخرجه ابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ١ / ١٧٩.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
