الصلاة والزكاة والآية دالة على أن تكليفه لم يتغير حين كان في الأرض وحين رفع إلى السماء وحين ينزل.
الصفة السادسة قوله : (وَبَرًّا) أي : وجعلني بارا ولما كان السياق لبراءة والدته قال : (بِوالِدَتِي) أي : التي أكرمها الله تعالى بإحصان الفرج والحمل بي من غير ذكر وفي ذلك إشارة إلى تنزيه أمّه عن الزنا إذ لو كانت زانية لما كان الرسول المعصوم مأمورا بتعظيمها.
الصفة السابعة : قوله : (وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً) متعاظما (شَقِيًّا) أي : عاصيا بأن أفعل فعل الجبارين بغير استحقاق إنما أفعل ذلك بمن يستحق وروي عن عيسى أنه قال : قلبي لين وإني ضعيف في نفسي وعن بعض العلماء لا أجد العاق إلا جبارا شقيا ولا أجد سيء الملكية إلا مختالا فخورا وتلا (وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً) [النساء : ٣٦].
الصفة الثامنة : قوله : (وَالسَّلامُ) من الله (عَلَيَ) فلا يقدر أحد على ضرّي (يَوْمَ وُلِدْتُ) فلا يضرني شيطان (وَيَوْمَ أَمُوتُ) فلا يضرني أيضا ومن يولد ويموت فليس بإلاه (وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) يوم القيامة كما تقدم في يحيى وفي ذلك إشارة إلى أنه في البشرية مثله سواء لم يفارقه أصلا إلا في كونه من غير ذكر وإذا كان جنس السّلام عليه كان اتباعه كذلك ولم يبق لأعدائه إلا اللعن ، ونظيره قول موسى (وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى) [طه ، ٤٧] بمعنى أنّ العذاب على من كذب وتولى.
(ذلِكَ) أي : الذي تقدّم نعته بقوله : (إِنِّي عَبْدُ اللهِ) إلى آخره هو (عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) لا ما يصفه النصارى بقولهم إنه الله أو ابنه أو إله ثالث فهو تكذيب لهم فيما يصفونه على الوجه الأبلغ والطريق البرهاني حيث جعل الموصوف بأضداد ما يصفونه وفي ذلك تنصيص على أنه ابن هذه المرأة وقوله تعالى : (قَوْلَ الْحَقِ) قرأ عاصم وابن عامر بنصب اللام على أنه مصدر مؤكد والباقون بالرفع على أنه خبر محذوف أي : هو قول الحق الذي لا ريب فيه والإضافة للبيان والضمير للكلام السابق أو لتمام القصة ثم عجب تعالى من ضلالهم فيه بقوله تعالى : (الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ) أي : يشكون شكا يتكلفونه ويجادلون فيه فتقول اليهود ساحر وتقول النصارى ابن الله مع أنّ أمه امرأة في غاية الوضوح ليس موضعا للشك أصلا.
ثم دل على كونه حقا في كونه ابنا لأمّه مريم لا غيرها بقوله ردا على من ضلّ : (ما كانَ) أي : ما صح ولا يتأتى ولا يتصوّر في العقول ولا يصح ولا يأتي لأنه من المحال لكونه يلزم منه الحاجة (لِلَّهِ) الغني عن كل شيء (أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ) وأكده بمن لأنّ المقام يقتضي النفي العام ، ولما كان اتخاذ الولد من النقائص أشار إلى ذلك بالتنزيه العام بقوله تعالى : (سُبْحانَهُ) أي : تنزه عن كل نقص أي : من احتياج إلى ولد أو غيره ثم علل ذلك بقوله عزوجل : (إِذا قَضى أَمْراً) أي : أيّ أمر كان أي : أراد أن يحدثه (فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ) أي : يريده ويعلق قدرته به وقوله تعالى : (فَيَكُونُ) قرأه ابن عامر بنصب النون بتقدير أن أو على الجواب والباقون بالرفع بتقدير هو.
وقوله : (وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ) إخبار عن عيسى أنه قال ذلك وقرأ ابن عامر والكوفيون بكسر الهمزة على الاستئناف والباقون بفتحها بتقدير حذف حرف الجرّ متعلق بما بعده والتقدير : ولأنّ الله ربي وربكم (فَاعْبُدُوهُ) وحده لتفرده بالإحسان كما أعبده كقوله تعالى : (وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً) [الجن ، ١٨] ، والمعنى لوحدانيته أطيعوه وقيل : إنه عطف على الصلاة والتقدير وأوصاني بالصلاة وبأنّ الله وإليه ذهب الفراء (هذا) أي : الذي أمرتكم به (صِراطٌ) أي : طريق
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
