كلاهما عطف عليه فاعلا أو بدلا. فإن قيل : هلا كان كلاهما توكيدا لا بدلا أجيب : بأنه معطوف على ما لا يصح أن يكون توكيد الاثنين فوجب أن يكون مثله. فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون أحدهما بدلا وكلاهما توكيدا ويكون ذلك عطفا للتوكيد على البدل؟ أجيب : بأنّ العطف يقتضي المشاركة فجعل أحدهما بدلا والآخر توكيدا خلاف الأصل ، وقرأ الباقون بغير ألف وفتح النون والإعراب على هذا ظاهر ، وجميع القرّاء يشدّدون النون.
ثم إنه تعالى أمر الإنسان في حق والديه بخمسة أشياء : الأوّل منها قوله تعالى : (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ) أي : لا تتضجر منهما قال الزجاج : أف معناه النتن وهذا قول مجاهد لأنه قال معنى قوله (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ) أي : لا تتقذرهما كما أنهما كانا لا يتقذران منك حين كنت تخرأ وتبول. وفي رواية أخرى عن مجاهد إذا وجدت منهما رائحة توذيك (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ) فلقد بالغ سبحانه وتعالى بالوصية بهما حيث شفع الإحسان إليهما بتوحيده ونظمهما في سلك القضاء بهما معا ثم ضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخّص في أدنى كلمة تنفلت من التضجر مع موجبات الضجر ومقتضياته ومع أحوال لا يكاد يدخل صبر الإنسان معها في الاستطاعة وقد قال صلىاللهعليهوسلم : «إياكم وعقوق الوالدين فإنّ الجنة يوجد ريحها مع مسيرة ألف عام ، ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم ولا شيخ زان ، ولا جارّ إزاره خيلاء ، إن الكبرياء لله رب العالمين» (١). وسئل الفضيل بن عياض عن برّ الوالدين فقال : لا يقوم إلى خدمتها عن كسل. وقرأ نافع وحفص بالتنوين في الفاء مع الكسر وابن كثير وابن عامر بفتح الفاء من غير تنوين ، والباقون بكسر الفاء من غير تنوين.
الثاني : قوله تعالى : (وَلا تَنْهَرْهُما) أي : لا تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك يقال نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره. قال تعالى : (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) [الضحى ، ١٠]. فإن قيل : المنع من التأفيف يدل على المنع من الانتهار بالأولى فما فائدة ذكره؟ أجيب : بأن المراد بالمنع من التأفيف المنع من إظهار الضجر بالقليل والكثير والمراد من منع الانتهار المنع من إظهار المخالفة في القول على سبيل الردّ عليهما والتكذيب لهما.
الثالث قوله تعالى : (وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً) أي : حسنا جميلا طيبا لينا كما يقتضيه حسن الأدب معهما. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : هو أن يقول يا أبتاه يا أمّاه. وسئل سعيد بن المسيب رضي الله عنه عن القول الكريم فقال : هو قول العبد المذنب للسيد الفظ الغليظ. وعن عطاء أنه قال : هو أن يتكلم معهما بشرط أن لا يرفع إليهما بصره ولا يشتد إليهما نظره وذلك أنّ هذين الفعلين ينافيان القول الكريم. فإن قيل : إبراهيم الخليل عليهالسلام قال لأبيه : (إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [الأنعام ، ٧٤] مع أنه عليهالسلام من أعظم الناس أدبا وحلما وكرما؟ أجيب : بأن حق الله تعالى مقدّم على حق الأبوين فإقدام إبراهيم عليهالسلام على ذلك الإيذاء إنما كان تقديما لحق الله تعالى.
والرابع قوله تعالى : (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) أي : لا من أجل الامتثال للأمر وخوف العار فقط بل من أجل الرحمة لهما بأن لا تزال تذكر نفسك بالأوامر والنواهي وبما تقدّم
__________________
(١) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٥ / ١٢٥ ، و ٨ / ١٤٩ ، والمنذري في الترغيب والترهيب ٣ / ٩١ ، ٢٧٩ ، وابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق ٥ / ٣١٠.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
