أتم وأكمل فثبت بهذه الوجوه أنه ليس لأحد من المخلوقين نعمة على غيره مثل ما للوالدين على الولد ، فلهذا بدأ الله بشكر نعمة الخالق وهو قوله تعالى : (وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) ثم أردفه بشكر نعمة الوالدين وهو قوله تعالى : (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً.) فإن قيل : الوالدان إنما طلبا تحصيل اللذة لأنفسهما فلزم منه دخول الولد في الوجود ودخوله في عالم الآفات والمخالفات فأي إنعام للأبوين على الولد ، حتى أنّ بعض المتسمين بالحكمة كان يضرب أباه ويقول : هو الذي أدخلني في عالم الكون والفساد وعرضني للموت والفقر والعمى والزمانة وقيل لأبي العلاء المعري ما ذا نكتب على قبرك فقال : اكتبوا على قبري :
هذا جناية أبي علي وما جنيت على أحد. وقال في ترك التزوج والولد (١) :
|
وتركت فيهم نعمة العدم التي |
|
فيهم لقد سبقت نعيم العاجل |
|
ولو أنهم ولدوا لعانوا شدّة |
|
ترمي بهم في موبقات الآجل |
وقيل لإسكندر : أستاذك أعظم منة عليك أم والدك؟ فقال : أستاذي أعظم منة لأنه تحمل أنواع الشدائد عند تعليمي فأوقعني في نور العلم ، وأمّا الوالد فإن طلب تحصيل لذة الوقاع لنفسه فأخرجني إلى آفات عالم الكون والفساد. ومن الكلمات المأثورة المشهورة خير الآباء من علمك. أجيب : بأنه وإن كان في أوّل الأمر طلب لذة الوقاع إلا أنّ الاهتمام بإيصال الخيرات إليه ودفع الآفات عنه من أوّل دخوله في الوجود إلى وقت بلوغه الكبر أليس أنه أعظم من جميع ما يصل إليه من جهات الخيرات والمبرات فسقطت تلك الشبهات.
التنبيه الثاني : أن لفظ الآية يدل على معان كثيرة كل واحد منها يوجب المبالغة في الإحسان إلى الوالدين منها أنه تعالى قال في الآية المتقدمة : (وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً) ثم أردفه بهذه الآية المشتملة على الأعمال التي بواسطتها يحصل الفوز بسعادة الآخرة وجعل من جملتها البر بالوالدين ، وذلك يدل على أنّ هذه الطاعة من أصول الطاعات التي تفيد سعادة الآخرة ، ومنها أنه تعالى بدأ بذكر الأمر بالتوحيد وثنى بطاعة الله تعالى وثلث ببر الوالدين ، وهذه درجة عالية ومبالغة عظيمة في تعظيم هذه الطاعة منها أنه تعالى لم يقل وإحسانا بالوالدين بل قال (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) فتقديم ذكرهما يدل على شدّة الاهتمام بهما. ومنها أنه تعالى قال : (إِحْساناً) بلفظ التنكير ، والتنكير يدل على التعظيم أي : إحسانا عظيما كاملا لأنّ إحسانهما إليك قد بلغ الغاية العظيمة فوجب أن يكون إحسانك إليهما كذلك ثم على جميع التقديرات لا تحصل المكافأة لأن إنعامهما عليك على سبيل الابتداء. وفي الأمثال المشهورة أنّ البادئ بالبرّ لا يكافأ.
ولما كان سبحانه وتعالى عليما بما في الطباع من ملال الولد لهما عند أخذهما في السنّ قال تعالى : (إِمَّا) مؤكدا بإدخال ما على إن الشرطية لزيادة التقرير للمعنى اهتماما بشأن الوالدين (يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ) أي : كأن يضطرا إليك في حالة الضعف والعجز فلا يكون لهما كافل غيرك فيصيرا عندك في آخر العمر كما كنت عندهما في أوّله (أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما.) وقرأ حمزة والكسائي بألف بعد الغين وكسر النون فالألف ضمير الوالدين لتقدّم ذكرهما وأحدهما بدل منه أو
__________________
(١) البيتان لم أجدهما في المصادر والمراجع التي بين يدي.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
