الآخرة نمدّ (مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ) أي : المحسن إليك إن ضيق على مؤمن فبالحماية من الدنيا الفانية التي إنما هي لعب ولهو وإن وسع فبالاستعمال فيها على حسب ما يرضيه (وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ) أي : الموجد لك المدبر لأمرك (مَحْظُوراً) أي : ممنوعا في الدنيا عن مؤمن ولا كافر بل هو ملء السهل والجبل من الذهب والفضة والحديد والنحاس والجواهر والثمار وأقوات الناس والبهائم وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله تعالى حتى لو اجتمع كل الناس على جمعه ليلا ونهارا ولم يكن لهم شغل سوى ذلك لأعياهم ولم يقدروا عليه فسبحان الجواد المعطي المانع.
ثم إنه تعالى أمر بالنظر في عطائه هذا على وجه مرغب في الآخرة مزهد في الدنيا بقوله تعالى : (انْظُرْ) أي : أيها الإنسان أو يا محمد (كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) فأوسعنا على مؤمن وقترنا على مؤمن آخر وأوسعنا على كافر وقترنا على كافر آخر وبين سبحانه وتعالى وجه الحكمة في التفاوت في سورة الزخرف بقوله تعالى : (نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ) [الزخرف ، ٣٢] الآية. وقال تعالى في آخر سورة الأنعام : (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ) [الأنعام ، ٦٥].
تنبيه : كيف : نصب إمّا على التشبيه بالظرف وإما على الحال وهي معلقة لانظر بمعنى فكر أو أبصر. ولما نبه تعالى على أن ما نراه من التفضيل إنما هو بمحض قدرته أخبر أنّ ما بعد الموت كذلك بقوله تعالى : (وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ) أي : أعظم (دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً) من درجات الدنيا ومن تفضيلها فإنّ نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا فإن كان الإنسان تشتدّ رغبته في طلب فضيلة الدنيا فبأن تقوى رغبته في طلب الآخرة أحرى لأنها دار المقامة. روي أنّ قوما من الأشراف فمن دونهم اجتمعوا بباب عمر رضي الله تعالى عنه فخرج الأذن لبلال وصهيب فشق على أبي سفيان فقال سهيل بن عمرو : إنما أوتينا من قبلنا أنهم دعوا ودعينا يعني إلى الإسلام فأسرعوا وأبطأنا وهذا باب عمر فكيف التفاوت في الآخرة. ولما بيّن تعالى أنّ الناس فريقان منهم من يريد بعمله الدنيا فقط وهم أهل العذاب ومنهم من يريد طاعة الله وهم أهل الثواب.
ثم شرط في ذلك ثلاثة شروط فصل تلك المجملات وبدأ أولا بشرح حقيقة الإيمان وأشرف أجزاء الإيمان هو التوحيد ونفي الشريك والأضداد بقوله تعالى : (لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ) أي : الذي له جميع صفات الكمال (إِلهاً آخَرَ) قيل الخطاب مع النبيّ صلىاللهعليهوسلم والمراد غيره ، والأولى أنه للإنسان فيكون خطابا عامّا لكل من يصلح أن يخاطب به. (فَتَقْعُدَ) أي : فيتسبب عن ذلك أن تقعد أي : تصير في الدنيا قبل الآخرة (مَذْمُوماً مَخْذُولاً) لأنّ المشرك كاذب والكاذب يستوجب الذمّ والخذلان ولأنه قد ثبت بالدليل أنه لا إله ولا مدبر إلا الله تعالى فحينئذ تكون جميع النعم حاصلة من الله تعالى فمن أشرك بالله فقد أضاف بعض تلك النعم إلى غير الله فاستحق الذمّ والخذلان.
تنبيه : قال الواحدي : قوله تعالى : (فَتَقْعُدَ) انتصب لأنه وقع بعد الفاء جوابا للنهي وانتصابه بإضمار أن كقولك لا تنقطع عنا فنجفوك والتقدير لا يكن منك انقطاع فيحصل أن نجفوك فما بعد الفاء متعلق بالجملة المتقدّمة بحرف الفاء وإنما سماه النحويون جوابا لكونه مشابها للجزاء وأنّ الثاني مسبب عن الأوّل كما تقرّر.
ولما ذكر تعالى ما هو الركن الأعظم في الإيمان أتبعه بذكر ما هو من شعائر الإيمان وشرائعه
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
