بالياء المثناة تحت ثم بتاء مثناة فوق مكسورة. (اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ ،) أي : التي أتوا بها ثمن الميرة وكانت دراهم ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها كانت النعال والأدم (فِي رِحالِهِمْ) جمع رحل أوعيتهم التي يحملون فيها الطعام (لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها ،) أي : بضاعتهم (إِذَا انْقَلَبُوا ،) أي : رجعوا (إِلى أَهْلِهِمْ) وفتحوا أوعيتهم (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) إلينا.
واختلف في السبب الذي من أجله رد يوسف عليهالسلام بضاعتهم في رحالهم على أوجه :
الأوّل : أنه أراد أن يكون ذلك المال معونة لهم على شدّة الزمان ، وكان يخاف اللصوص من قطع الطريق ، فوضع تلك الدراهم في رحالهم حتى تبقى مخفية إلى أن يصلوا إلى أبيهم.
الثاني : أراد أن يعرّف أباه انه أكرمهم وطلبهم لمزيد الإكرام فلا يثقل على أبيه إرسال أخيه.
الثالث : مقصوده أن يعرفوا أنه لا يطلب ذلك الأخ لأجل الإيذاء والظلم ولا يطلب زيادة الثمن.
والرابع : أراد أن يحسن إليهم على وجه لا يلحقهم فيه عيب ولا منة.
الخامس : قال الفراء : إنهم متى شاهدوا بضاعتهم في رحالهم وقع في قلوبهم أنهم وضعوا تلك البضاعة في رحالهم على سبيل السهو وهم أنبياء وأولاد أنبياء فيرجعون ليعرفوا السبب فيه ، ويردوا الملك إلى مالكه.
السادس : أراد به التوسعة على أبيه ؛ لأنّ الزمان كان زمان القحط.
السابع : رأى أن أخذ ثمن الطعام من أبيه ومن إخوته على شدّة حاجتهم إلى الطعام لؤم.
الثامن : خاف أن لا يكون عند أبيه من المال ما يرجعون به مرّة أخرى.
التاسع : أنهم متى فتحوا المتاع فوجدوا بضاعتهم فيه علموا أنّ ذلك كرم من يوسف عليهالسلام وسخاء ، فيبعثهم ذلك إلى العود إليه والحرص على معاملته عليهالسلام.
(فَلَمَّا رَجَعُوا ،) أي : إخوة يوسف عليهالسلام (إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا) إنا قدمنا على خير رجل أنزلنا وأكرمنا كرامة عظيمة لو كان رجلا من آل يعقوب ما أكرمنا إكرامه ، فقال يعقوب عليهالسلام : إذا رجعتم إلى ملك مصر فأقرؤوه مني السّلام وقولوا له : إنّ أبانا يدعو لك بما أوليتنا ، ثم قال لهم : أين شمعون؟ قالوا : ارتهنه ملك مصر ، وأخبروه بالقصة وقولهم : (مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ) فيه قولان :
أحدهما : أنهم لما طلبوا الطعام لأخيهم الغائب عند أبيهم منعوا منه.
والثاني : أنهم منعوا الكيل في المستقبل ، وهو قول يوسف عليهالسلام : (فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ) ويدل لهما قولهم : (فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا) بنيامين (نَكْتَلْ) فإنّ حمزة والكسائي قرآه بالياء ، أي : يكتل لنفسه ، وهذا يدل للقول الأوّل ، والباقون بالنون ، أي : نكتل نحن وإياه ، وهذا يدل للقول الثاني (وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) عن أن يناله مكروه حتى نردّه إليك.
فلما قالوا ليعقوب عليهالسلام هذه المقالة. (قالَ) لهم (هَلْ آمَنُكُمْ ،) أي : أقبل منكم الآن وفي مستقبل الزمان تأمينكم لي فيه بما يسوءني تأمينا مستقبلا (عَلَيْهِ ،) أي : بنيامين (إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ ،) أي : في الماضي (عَلى أَخِيهِ) يوسف عليهالسلام (مِنْ قَبْلُ) فإنكم أكدتم غاية التأكيد فلم تحفظوه لي ولم تردّوه إليّ ، والأمن اطمئنان القلب إلى سلامة النفس ، فأنا في هذا لا آمن عليه
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
