الأول : ذكره بالحج ، والثاني : ذكر مطلق فهو تأسيس لا تأكيد.
قوله تعالى : (كَما هَداكُمْ).
الكاف إما للتعليل ، مثل : (وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ) [سورة القصص : ٧٧].
قوله تعالى : (وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ).
ابن عرفة : إن قلت : هذا تأكيد ؛ لأن الهداية تستلزم تقدم الضلال لها ، فالجواب : إنما كان يكون تأكيدا ، إن لو قيل : (وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ) وهذا أخص ؛ لأن قولك : زيد من الصالحين أخص من قولك : زيد صالح ، قاله الزمخشري ، في قوله تعالى : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ) [سورة العنكبوت : ٩].
قوله تعالى : (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ).
قال أبو حيان : ثم قيل : إنها للترتيب في الذكر لا في الزمان لتعذره ، وهذا على أن الإفاضة من عرفات ، وقيل : بمعنى الواو.
وقال ابن عرفة : لا فرق بينهما ؛ لأن الواو كذلك هي أيضا للترتيب في الذكر ، فالمقدم فيها مقدم في اللفظ لا في المعنى.
قيل لابن عرفة : إنما يريد النحويون بذلك الذكر [٥٥ و] القلبي ، بمعنى أنه لم يستحضر أولا غير الأولين المعطوفين ، فلذلك بدأ به فلما نظر به استحضر الآخر ، وهذا مستحيل في الآية ، وذكر الزمخشري أن ثم هنا لبعد ما بين الإفاضتين ، وأن أحدهما صواب والأخرى خطأ ، كما تقول : أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم.
ابن عرفة : فإن قلت : هلا قيل : ثم أحسن إلى الكريم فيعطف الأمر على الأمر ، فهو أولى من عطف النهي على الأمر ، فأجاب : بأنه أراد تحقيق كونها لبعد ما بين الصواب ، وهو الإحسان إلى الكريم ، والخطأ وهو الإحسان إلى غير الكريم ، ولو أتى بالكل أمرا لكانت ثم بين الجائز والأولى ، ولم تكن صريحة في البعد والتفاوت ، ومراد أبي حيان قولان :
أحدهما : أنها للترتيب الزماني والإفاضة جمع.
![تفسير ابن عرفة [ ج ١ ] تفسير ابن عرفة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3997_tafsir-ibn-alarafah-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
