والآخر : أنها على بابها من الترتيب وفي الكلام تقديم وتأخير ، أي : واتقوا يا أولي الألباب ثم أفيضوا.
قال ابن عرفة : والفرق بين القول الأول عندي أن يريد بقوله : (ثُمَ) هذا ، قيل : للترتيب في الذكر أنها في هذه الآية خاصة بمعنى الواو ، وبالقول الثاني : أنها بمعنى الواو مطلقا والله أعلم.
قال ابن عرفة : وعادتهم يقولون : إنها للتراخي والمهلة ، فهي على بابها ، والمهلة فيها بين الذي يليها فقط ، وهو الذي يليها هو معطوف على ما قبله بالواو ، وأنها للجمع من غير ترتيب ولا مهلة فتكون بالجهة الموالية ، ثم مرادا بها التقديم والتقدير ، (فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ كَما هَداكُمْ ، ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ ، فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ) ، وهذا معنى سادس لم يذكروه ، والذي ينبغي عمل الآية عليه والله أعلم.
قوله تعالى : (مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ) قرأ ابن جبير : الناسي ، أبو حيان : الألف واللام قيل : للعهد ، وقيل : للجنس ، فالعهد يريد به آدم عليه الصلاة والسّلام ، وتعقب ابن عرفة كونها للجنس بأنه إما أن يريد الناس في الحج أو بالإطلاق ، فالناسي في الحج الإفاضة له ؛ لأنه نسى الإفاضة فلا يصح أمرنا بالإفاضة من حيث أفاض ، وإن أراد الناسي مطلقا ، وهو الذي نسي غير هذا ، أي من حيث أفاض الذي من شأنه النسيان فباطل أيضا ؛ لأن ترتيب الحكم على الاسم المشتق بمناسبة معناه للحكم وعلة له ، فإذا قلت : أكرم زيد المصلي فإكرامه ، إنما هو لصلاته لا لصدقه.
قال ابن عطية : ويجوز عند بعضهم حذف الياء ، قال : فأما جوازه في العربية فذكره سيبويه ، وأما جوازه مقروءا به فلا أحفظه.
قال ابن عرفة : وهذا غير صحيح كيف يقول : لا أحفظه وهو شأن الزوائد في القرآن في الاسم والفعل ، قال تعالى : (يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) [سورة هود : ١٠٥] ، وقال أيضا : (ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ) [سورة الكهف : ٦٤] ، فقرأ ابن عامر ، وعاصم ، وحمزة : يأت بخلاف الياء وصلا ووقفا ، وتعقب أبو حيان بأن سيبويه لم يجوزه إلا في الشعر وجوزه الفراء.
قال ابن عرفة : وعادتهم يقولون : لم عدل في الآية عن دلالة المطابقة ، وهي حقيقة إلى دلالة الالتزام وهي مجاز ، فعبر بالإفاضة الملتزمة لمستلزمة الوقوف ، وهلا
![تفسير ابن عرفة [ ج ١ ] تفسير ابن عرفة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3997_tafsir-ibn-alarafah-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
