وقوله ـ عزوجل ـ : (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) ، وقال في موضع آخر : (بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ) [المعارج : ٤٠] ، قد ذكرناه فيما تقدم.
ثم دل قوله : (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) و (بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ) [المعارج : ٤٠] وذكر الحد لهما ـ أعني : الشمس والقمر ـ في الشروق والغروب ، وفي أنهما طلعا بأمر ، وغربا حيث غربا بأمر ؛ إذ لو كان ذلك لا بأمر لكن بأنفسهما ، لكانا يطلعان ويغربان في جميع الأوقات ، والأطراف ، ولا يرجعان إذا بلغا مكانا ولا يزدادان ، ولا ينتقصان في وقت من الأوقات ، ثم هذا كله منشأ للبشر ، مسخر لهم ؛ فيقول ـ والله أعلم ـ : ما بال المجعول لكم أطوع لله تعالى منكم ؛ حيث لا يجاوز الحد الذي جعل له ، ولا يتعدى أمر خالقه ، وأنتم تجاوزون أمره ونهيه ، وتتعدون حدوده.
وفي الآية دليل على أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه ؛ ألا ترى أنه خص رب المشرقين ورب المغربين ، ولم يدل على أنه ليس برب ما بينهما ، أو ليس برب ما سوى المشارق والمغارب ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ) قيل : جمع بينهما وخلط.
وقيل : أحدهما العذب ، والآخر : المالح.
وقيل : (يَلْتَقِيانِ) أي : يتقابلان.
وقوله ـ عزوجل ـ : (بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ) أي : بين البحرين حجاب وحاجز.
(لا يَبْغِيانِ) قيل : لا يختلطان ، ولا يمتزجان ، ولا يتغير طعم كل واحد منهما ؛ يخبر عن لطفه في منعهما عن الامتزاج ، ومن طبع الماء الامتزاج والاختلاط ، فمن قدر على هذا لا يعجزه شيء.
وقيل : (لا يَبْغِيانِ) أي : لا يجاوزان حد الله الذي حد لهما.
ثم اختلف في البحرين : قال بعضهم : أحدهما : بحر الروم ، والآخر : بحر الهند ، و (بَيْنَهُما بَرْزَخٌ) أي : سكان ، (لا يَبْغِيانِ) أي : لا يختلطان ، وهو قول الأصم (١).
ومنهم من قال (٢) : أحدهما : بحر الروم ، والآخر : بحر فارس ، (بَيْنَهُما بَرْزَخٌ) ، أي جزيرة العرب.
__________________
(١) وقول مجاهد أيضا أخرجه ابن جرير (٣٢٩٨١) وعبد بن حميد وابن المنذر عنه ، كما في الدر المنثور (٦ / ١٩٤).
(٢) قاله الحسن أخرجه ابن جرير (٣٢٩٦٨) وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عنه ، كما في الدر المنثور (٦ / ١٩٤) وهو قول قتادة أيضا.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
