إلى قوله ـ تعالى ـ : (وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ...) الآية [إبراهيم : ٢٢].
فهذه الخصومة بينهم وبين قرنائهم ، وهم الشياطين (وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً) [النساء : ٣٨] ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَ) : خصومتهم ما ذكرنا ، قالت الأتباع : (رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا) [الأعراف : ٣٨] وما ذكر من لعن بعضهم بعضا ومن تبري بعض عن بعض ، فقال ـ تعالى عزوجل ـ : (لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ) أي : قدمت إليكم من الوعيد في الدنيا ، فانقطعت خصوماتكم هذه ؛ أي : بينت في الدنيا ما يلحق بمن ضل بنفسه ، ومن ضل بغيره.
كأن هؤلاء الكفرة يطلبون وجه الاعتذار بما لا عذر لهم ؛ فلذلك يقال لهم : (لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ) أي : أرسلت إليكم الرسل معهم الكتب وفيها الوعيد ، فلم تقبلوا ذلك كله.
فإن قيل : قال هاهنا : (لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَ) ، وقال في موضع آخر : (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) [الزمر : ٣١] قيل : هو يخرج على وجوه : أحدها : أن قوله : (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) [الزمر : ٣١] في أهل القبلة ، وهو في المظالم التي كانت بينهم في الدنيا.
والثاني : ما قال بعضهم بأن إحدى الآيتين في موضع ، والأخرى في موضع ، فيؤذن لهم بالكلام فيه حتى يكون جمعا بين الآيتين ، وهو كقوله ـ تعالى ـ : (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌ) [الرحمن : ٣٩] ، وقال في آية أخرى : (وَلا يَتَساءَلُونَ) [المؤمنون : ١٠١] ، وقال في آية أخرى : (يَتَساءَلُونَ. عَنِ الْمُجْرِمِينَ. ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) [المدثر : ٤٠ ـ ٤٢] ؛ فعلى ذلك هذا.
والثالث : جائز أن يكون قوله ـ تعالى ـ : (لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَ) في الدين فيما بينهم وبين ربهم في دفع عذاب الله عن أنفسهم ، وذلك لا يملكونه ولا ينتفعون به ، وأما قوله ـ تعالى ـ : (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) [الزمر : ٣١] فيما بين أنفسهم في المظالم والغرامات ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَ) هذا يحتمل وجوها :
أحدها : ما يبدل ما استحق كل واحد منكم من العذاب والثواب ما سبق مني من الوعد والوعيد في الدنيا بأن أجعل جزاء الكافر الجنة ، وجزاء المؤمن النار ؛ إذ قد سبق في
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
